
وأخيراً . . . أسلمت الطائف
البلدان التوأمان
مكة والطائف . . . بلدان توأمان، لا تفصل بينهما مسافة بعيدة، ولا تحس بالفارق الكبير بينهما، بل لا تكاد تجد حدثاً يقع في أحدهما إلا ويتردد صداه ووقعه في البلد الآخر .
ويستطيع دارس السيرة النبوية أن يرى أكثر من رابط بين هذين البلدين الجارين، حتى لتبدو له العلاقة وثيقة والارتباط شديداً . . .
ومن هنا فإن مكة لما ضاقت برسول الله صلى الله عليه ولم تعد تتسع لمقامه بين جنباتها شاركتها في التضييق عليه بلدة الطائف، التي يرى الدارس للسيرة النبوية – في معاملتها للرسو عليه السلام حين خرج إليها يرجو منا النصرة – صورة طبق الأصل عن معاملة مكة، وأهل مكة وسفهاء مكة . . . ومن هنا فإن هجرة من مكة فقط ، بل هرة من مكة والطائف معاً !!.
ولم تكن الطائف بعيدة عن الأحداث التي وقعت بين المسلمين والكفار بعد الهجرة، بل كان لها في كل موقعة وحدث نصيب وأي نصيب .
ولما فتحت مكة أخيراً أحست الطائف أنها الهدف التالي ، أو الشق الثاني لمكة، والذي لابد أن يناله ما نال الشق الأول من دخول المسلمين وفتحهم لها، أو محاولتهم ذلك . . . ومن هنا بدأ الإحساس بالخطر الداهم، والاستعداد للقاء اليوم المرتقب القريب .
الطائف تتحصن وتستعد
وهكذا دارت رحى أول معركة بعد فتح مكة وهي معركة (حنين) قريباً من الطائف، وفيها هزمت هوازن شر هزيمة، فالتجأت إلى حصون الطائف، وتحصنت بها، وجمعة مؤنة وطعاماً تكفيهم سنة كاملة، وتترسوا وراء الأسوار، وجهزوا نبالهم وجميع عتاد الحرب وعدته .
وسار النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه حصون الطائف، وأخذ بمشورة سلمان الفارسي ، فصنع المنجنيق ليرمي الأسوار ويدكها، وصنع دبابات من خشب يختفي وراءها المقاتلون، ويتحصنون بها من سهام هوازن ورشقات حجارتها ونيرانها.
ولما عسكر الصحابة رضوان الله عليهم حول الحصن، وعلى حين غرة منهم، وبمكر ودهاء من هوازن، فوجئوا بنبل كثيف ينزل عليهم دفعة واحدة كأنه جراد قاتل، فقتل منهم في تلك اللحظة قرابة اثني عشر شهيداً أو يزيد . . . وكان لا بد – من باب الاحتياط والتحرز – من تغيير موقع المعسكر الإسلامي ، ليكون بعيداً عن تناول نبال العدو الماكر.
محاولات وجولات
ومضت أيام، واستعصت الحصون، ولم تظهر عليها بوادر الضعف أو الاهتزاز، رغم كل الجهود البطولية والمحاولات المستميتة . . . وخفي مدى استعداد الطائف للمقاومة والصمود أمام المسلمين . . . فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يطلع على خفي أمرهم وبعض أسرارهم ، فأمر منادياً ينادي بصوت عال يسمعه من كان وراء السور :
- من خرج من عبيد الطائف، ودخل في جيش في المسلمين فهو حر!.
وعلى حين غفلة من الأسياد، فر نفر من عبيد الطائف إلى جيش المسلمين، دون أن تحس بهم هوازن، وانضموا إلى صف النبي عليه السلام، فكسبوا رقباهم، وظفروا بحرياتهم، في الوقت الذي عرف النبي منهم خبيئة القوم واطلع على استعداداتهم واستحكاماتهم . . . فاتخذا قراراً بالانسحاب لما وصله من المعلومات، ونادى في أصحابه :
- ألا إنا قافلون غداً إن شاء الله .
ثقل ذلك على الجيش المسلم . . . وهو الذي رأت في الطائف تكملة – لا بد منها – للنصر الذي أحرزه في مكة قبل أيام ، وتساءل بعضهم في تعجب وتذمر :
- نذهب، ولا نفتح ؟!.
وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجاريهم تألفاً لقلوبهم من جهة، وإظهاراً لصحة تقديره من جهة أخرى، فقال :
- اغدوا على القتال .
وغدا الرجال تملؤهم الحماسة، ويدفعهم البأس فلم يزدادوا إلا إصابات وجراحاً، دون أن ينالوا من الطائف وهوازن أي شيء، لذلك لما كرر النبي عليه السلام دعوته .
- إنا قافلون غداً إن شاء الله .
أعجبهم ذلك وسكتوا خجلين . . . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم .
عودة الجيش مغيظا
ولما عادوا كانت لا تزال في نفوس البعض حسرة وغيظ، فقال بعضهم متشفياً وراغباً في الثأر :
- يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال عليه السلام :
- الله اهد ثقيفاً، واكفنا مؤنتهم .
ولم تكن عودة النبي صلى الله عليه وسلم عن الطائف وإعراضه عن فتح حصنها إهمالاً لها، أو نسياناً لعلاقتها الوثيقة بمكة، وتأثيرها المباشر عليها، بل كانت تخطيطاً ذكياً من قبله عليه السلام ثبتت صحته وجدواه فيما بعد، فقد أراد أن تفتح الطائف صلحاً، كما فتحت مكة، وأن يدخلها المسلمون سلماً لا حرباً. . . وهكذا كان.
وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يطمع أهل الطائف بالأمان حيناً، وبإحراز أموالهم حيناً آخر، ويلوح لهم بالتخويف حيناً ثالثة، حتى لانت عريكتهم، وظهرت للعيان ثمار السياسة النبوية الحكيمة، وبدأ بعضهم يفكر في القدوم واللحاق برسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان أسبقهم إلى ذلك رجل من البارزين اسمه عروة بن مسعود من ساداتهم، أسرع خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه، فأدركه قبل أن يدخل المدينة، وأخذ لنفسه وأهله وماله أماناً، ثم طلب من النبي عليه السلام أن يأذن له بالعودة إلى بلده ليدعو قومه، فأذن له بعد إلحاح منه على ذلك، وقد عاد فعلاً إلى قومه، إلا أن بعض السفهاء عاجله بسهم فقتله، مما أثار خوف عقلاء الطائف أن يعود الرسول صلى الله عليه وسلم ليبطش بهم وينتقم لعروة، فتداعوا للتشاور، وتوصلوا إلى قرار بإرسال وفد إلى المدينة مكون من ستة أشخاص، ليحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وفد الطائف يصل أخيراً
واستقبل المسلمون وفد الطائف ، وعلموهم كيف يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلمون . . . ثم ضربت لهم قبة داخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقام بخدمتهم وواجب الضيافة نحوهم بعض الصحابة .
ويبدو أن الغرور والكبرياء كانا لا يزالان مستمكنين من قلوبهم، مع ما هم عليه من جفاء البداوة وجلافة الجاهلية، فأقبلوا يفاوضون بعناد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصبر ويصبر على شروطهم المرفوضة، ومطالبهم التعجيزية.
وكان معلوماً للنبي صلى الله عليه وسلم أن لا مجال أمامهم إلا الإسلام – ولكنه لم يشأ أن يقطع حبل الحوار معهم ابتداء إلا بعد أن يستخرج مكنون أنفسهم، فظنوا – شططاً – أنهم في بحبوحة من الجدال ، فكان منهم ما كان .
شروط مرفوضة
وفي بداية الأمر أعلنوا رغبتهم في الإسلام، وقبولهم وقبول قومهم للدخول فيه، ولكن على شرط أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم لهم صنمهم الأكبر (اللات) فلا يتعرض له ثلاث سنين ، فأبى عليه السلام، فطلبوا سنتين فأبى، فطلبوا سنة، ثم شهراً لا أكثر!. . . فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا الرفض التام القاطع فكيف يقرهم على الوثنية ومظاهرها ولو ساعة من زمان. . . فرضخوا صاغرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم. على أن يهدمه هو . . .
بأيدي أصحابه . . . لا بأيديهم
ثم سألوه عليه السلام أن يعفيهم من الصلاة، معلنين أنه يأنفون أن يعفّروا (1) وجوههم بالتراب، وأن يرفعوا أدبارهم فوق رؤوسهم، كما كان يعلن ذلك كثير من السفهاء . . . فرد عليهم النبي :
- "لا خير في دين لا صلاة فيه" .
وتفتقت أذهانهم عن مطالب جديدة. فقالوا :
- إنا قوم نغترب ، أفرأيت الزنا ، فلا بد لنا منه، فقال عليه السلام :
- حرام عليكم، وإن الله يقول : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً)(2).
وكان بلغهم أنه عليه السلام حرم الربا تحريماً نهائياً يوم فتح مكة فقالوا له :
- أفرأيت الربا، فإن عامة أموالنا ربا . . . فرد عليهم :
- لكم رؤوس أموالكم ، والله يقول : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (3)
- أفرأيت الخمر فإنها عصير أرضنا (وكانوا يزرعون العنب) ولا بد لنا منها. فقال :
- إن الله حرمها، ثم قرأ قوله سبحانه : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .
ولما أسقط في أيديهم ، ورأوا أنهم قد هزموا وذلوا، قال بعضهم لبعض معترضاً على خطبة النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب ولم يذكر نفسه :
- كيف يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله، وهو لا يشهد به في خطبته، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم .
- إني أول من شهد أني رسول الله .
لا نهدم أصنامنا بأيدينا
وقبل أن يعودوا أدراجهم إلى قومهم، خافوا أن يبدأوا بهدم أصنامهم بأنفسهم ، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم إنا لا نهدم أصناماً بأيدينا . . . فلم يفرض عليهم النبي صلى الله عليه وسلم : ذلك، بل أرسل معهم المغيرة بن شعبة وأبا سفيان بن حرب وأمرهما أن يهدما الأصنام التي بالطائف، بعد أن يبدأوا باللات الصنم الأكبر.
ويبدو أن وفد الطائف بعد عودته إلى قومه لم يستطع الجهر بالإسلام، وبما توصل إليه من اتفاق مع النبي صلى الله عليه وسلم ، إما خوفاً على حياتهم أن يقتلوا كما قتل عروة بن مسعود ، أو رغبة في العودة إلى الكفر.
ومكثوا أياماً يقبلون أفكارهم، ويترددون بين الاستعداد للقتال وبين إعلان الإسلام والاستسلام، حتى تراجعوا عما بدا لهم موقنين أن لا طاقة لهم برسول الله صلى الله عليه وسلم.
المغيرة يضحك من المشركين
وقام المغيرة بن شعبة ليهدم صنم اللات . . . وسرى ذلك الخبر بين أهل الطائف الذين طالما خروا له ساجدين، فاجتمعوا كلهم رجالاً ونساء، شيباً وشباناً، في الوقت الذي كان يهمس بعضهم في آذان بعض : إن اللات ستمنع نفسها عماد يراد بها .
وبيّنت المغيرة في نفسه أمراً . . . ففي اللحظة التي تعلقت فيها الأبصار به، رفع معوله ليضرب وجه اللات، فإذا به يقع لجنبه على الأرض، ثم يقوم بحركة مسرحية مفتعلة ليركض فزعاً مرتاعاً، فارتفعت أصواب الحضور ضاحكة مستهزئة ممن حاول هدم اللات !! معلنة أن غضبة الآلهة قد طالت المغيرة وطاردته بل تحدوه قائلين في صراخ :
- قتلته الربه . . . من شاء فليقترب .
وكثر اللغط والأصوات ، والضحك والهياج وفجأة، وفيما هم في ضلالهم فرحين، وقف المغيرة شامخاً ساخراً يقول في استهزاء :
- أرأيتم كيف ضحكت عليكم . . . قبحكم الله يا معشر ثقيف ، إنما هي حجارة ومدر .
ثم علا السور فهدم البناء حجراً حجراً وكسر الصنم قطعة قطعة. وأصاب القوم وجوم، وشدهوا ، فلم يحركوا ساكناً .
آخر قلاع الوثنية
هكذا سقطت آخر قلاع الوثنية تحت معاول التوحيد، وعلا صوت التكبير والتمجيد لله فوق بيوت الطائف ، أسوة ببيوت توأمتها مكة . . . ودخل أهل الطائف في دين الله أفواجاً، وجاءوا إلى المدينة بصدقاتهم وجاهدوا مع رسول الله، بعد أن كانوا أبوا حمل الصدقات والجهاد معه ، فسكت عنهم إلى حين وهو يقول :
- سيتصدقون ويجاهدون ، سيتصدقون ويجاهدون .
صلى الله عليك يا رسول الله، ما أطول بالك، وما أبعد نظرك وما أشد في سبيل الله تحملك .
الشيخ عبد الله نجيب سالم
(2) سورة [ الإسراء : 32 ] .
(3) سورة [ البقرة : 278 ] .
الصفحة السابقة