
ذكريات مؤثرة... لعقد زينب
مخزون الذكريات
في أحيان كثيرة لا يحس المرء بنفسه وهو في دوامة الحياة.
فالحياة عمل متواصل، وصراع رهيب، وكد وتعب، قد تلهي الإنسان عن طعامه وشرابه، وراحته ونومه، وأهله وعياله، حتى يستغرق فيها ويغوص في لجج بحارها، مشغولاً بساعته الحاضرة عن ساعات كثيرة ماضية، هي من الأهمية بمكان.
إلا أن هذا كله لا يمنع أن تفاجىء الإنسان لحظ ـ وهو في غمرة الواقع ـ تعيد إليه كامل التركيز الذهني، وتَوْقفُ تسلسل الأحداث الحالية، ليستعيد شريطاً من الذكريات قديماً... طال نسيانه وأوشكت أحداث الأيام أن تستدل عليه الستار إلى الأبد.
وها نحن الآن على موعد مع حدث من هذا النوع الفريد... وإليكم بعض لمحاته:
عائدون من بدر
شدَّ الصحابةُ الكرامُ الذين ملأتهم فرحة الانتصار في بدر على قريش، شدوا وثاق الأسارى السبعين، وساقوهم مقيدين إلى المدينة بعد معركة عصيبة ثبت فيها أنصار الله وأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يتراجعوا أو يتزحزحوا، وأبدوا شجاعة نادرة فلم يعودوا بغير النصر المبين.
وكان منظر الأسرى يرسفون في قيودهم رهيباً مؤثراً.
لم يكونوا أرقاء يباعون ويشترون في أسواق النخاسة، ولم يكونوا فقراء اعتادوا مشية الهوان والذل، ولم يكونوا جبناء فروا من لقاء... بل كانوا سادة أرفع قبائل العرب شأناً وشأوا، وكانوا أغنياء مقتدرين وفرساناً جبابرة... إلا أن قدرة الله التي لا يغلبها غالب أوقعتهم لسوء كفرهم في يد المسلمين المستضعفين في الأرض، أوقعتهم غنيمة دسمة وصيداً ثميناً.
كان فيهم ابن أبي سفيان زعيم مكة، وسهيل بن عمرو خطيبها، وعقبة ابن أبي معيط، والنضر بن الحارث من ساداتها وكبرائها، والعباس عم رسول الله نفسه، وأبو العاص بن الربيع ختن الرسول وزوج ابنته زينب... هؤلاء وأمثالهم كانوا جلّ الأسرى وعامتهم.
وساقهم المسلمون رتلاً واحداً يخب الأرض بأقدامه خباً، ولا يقطع سكون الصحارى من حوله سوى قعقعة حديد وأصفاد الأغلال، أو تأوهات المصابين من الجرحى... هكذا قطعوا مسافة غير قصيرة من بدر إلى المدينة يرين عليهم الصمت، وترتسم في عيونهم ملامح الخوف، حتى وصلوا إلى مستقرهم في طرف مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقضى فيهم رسول الله بحكمه الأخير بعد مشاورات طويلة مع أصحابه:
ـ لا يفلتن منهم رجل إلا بفداء، أو ضرب عنق!...
أسير... لا كالأسرى
ونقف هنا لحظة... لنرجع في الحديث إلى رجل من أولئك الأسرى شمله الحكم الصادر.
كان أبو العاص بن الربيع رجلاً ذو تجارة ومال وفير، اشتهر في مكة بالأمانة وحسن التصرف، وكان ابن هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها أول أزواج الرسول الكريم عليه السلام، تلك الزوجة التي أحبها حباً جماً قلّ أن تنافسها فيه زوجة أخرى... إذن فخديجة خالة أبي العاص، لذا فلأبي العاص في زواجه من زينب قصة وأي قصة.
كان وسيد أبي العاص في خطبته زينب رسول الله خالته خديجة، التي سألت رسول الله أن يزوجه ابنتهما زينب ـ وكان هذا قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ـ فوافقها رسول الله حباً فيها وإكراماً لها، وكان هذا بالطبع سبب ازدياد صلة أبي العاص بخالته أم زينب زوجته، كما كان سبب فرح شديد لخديجة نفسها حيث لم تدخل ابنتها زينب بيتاً بعيداً غريباً...
ولما أكرم الله رسوله بالنبوة والرسالة تبعته خديجة مصدقة ومؤمنة، كما آمنت به بناته، فشهدن أن ما جاء به الحق ودنّ بدينه... غير ملتفتات إلى أزواجهن الذين لم يؤمنوا، ومنهم أبو العاص.
ولم يكن أبو العاص الوحيد الذي ثبت على شركة غير راغب في الإسلام، بل إن صهري النبي الآخرين عتبة وعتيبة ابني عمي أبي لهب وزوجي ابنتيه أم كلثوم ورقية بقيا على وثنيتهما كذلك.
وليت الأمر وقف عند هذا الحد... بل إن ابني العم عتبة وعتيبة فعلا فعلاً غير محمود.
ذلك أن المشركين قالوا فيما بينهم:
مساومات وعروض مغرية
ـ إنكم قد فرّغتم محمداً من همه، فردوا عليه بناته فاشغلوه بهن.
وفعلاً مشى نفر منهم إلى عتبة وعتيبة فما زالا بهما ـ مع تحريض أبيهما أبي لهب وإلحاحه ـ حتى طلقا بنتي رسول الله راغبين في عروض قريش المتعددة والمغرية، زاهدين في مصاهرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لكن أبا العاص ـ الصهر الثالث ـ أبى أن يفارق ابنة خالته زينب، رغم كل ما عرض أولئك النفر الكرة مع أبي العاص فقالوا له مساومين:
ـ فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت، فرد عليهما برجولة وذمة:
ـ لا والله، إني لا أفارق صاحبتي، وما أحب لي بامرأتي امرأة من قريش.
لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ثني على صهره أبي العاص خيراً لما رأى منه من شيمة ونبل ورجولة.
زوجة الأسير
وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبقيت زينب عند زوجها في مكة...
هي على إسلامها، وهو مع قومه على الشرك.
وأصيبت قريش في بدر... وأسر من رجالها سبعون... كان فيهم أبو العاص بن الربيع.
ولما بعثت قريش في فداء أسرائهم كانت تختار كرائم أموالها ونفائسها لتكس رضا المسلمين ، وتدفعهم إلى الإفراج عن الأسرى سريعاً دون تأخير . . .
وتلفتت زينب حولها تفكر فيم ترسله في فداء زوجها ، كانت لا تريد أن ترجو أباها ليطلق سراح زوجها بالمجان ، فمن يدري لعل أباها يأبى ذلك رعاية لحق أصحابه في حق امتلاك الفداء، أو لعل أبا العاص نفسه – وهو الثري الغني –ح يرى في ذلك إهانة بالغة له فوق ما هو فيه هوان الأسر ، لذا لابد من الفداء !! فما عساه يكون .
وبعد تفكير ونظر، لم تجد خيراً من عقد قديم كان عندها . . . له في نفسها ذكرى عزيزة . وله في نفس رسول الله أبيها ذكرى أعز ، فهذا العقد كان لأمها خديجة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأثيرة عنده ، ولما زفتها أمها خديجة إلى زوجها أبي العاص قلدتها إياه هدية منها إليها ليلة عرسها .
نعم هذا العقد هو الفداء . . . عقد خديجة الذي طالما رآه رسول الله حول عنقها، وطالما اقترنت حباته بذكرياته المؤمنة الأولى أم بنات النبي صلى الله عليه وسلم وبنيه .
كانت زينب تجزم وتؤكد لكل من يلقاها أن هذا العقد سيثير لواعج الحنين في أبيها ، وسيحرك فيه أوتار الوفاء والحب والتقدير لخديجة وآثارها .
مفاجأة مؤثرة
وهكذا قدم عقد زينب على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذه بعضهم غير عالم به ، فأدخله على رسول الله وقد اشرأبت أعناق الأسرى المقيدين في طرف المسجد ينتظرون قبول فداء أبي العاص وتحريره.
وفوجئ الجميع برسول الله صلى الله عليه وسلم يغمره الانفعال البالغ ، وتظهر عليه الرقة الشديدة ، ويبدو عليه التأثير العميق ، عندما وقع العقد في يده ، فأخذ يتلمسه ويقلب حباته ، ويسرح بذهنه بعيداً بعيداً في أغوار الزمن الماضي.
آهٍ كم هي الدنيا قريبة العهد بخديجة . . . بل كم ذكرياتها سريعة التبادر إلى الخاطر . . . هذا عقدها ، وهذه حباته ، لم تغيرها الأيام على الرغم من أنها طوت خديجة تحت أطباق الثرى منذ زمن.
ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه متأثراً يرجوهم غير آمر ولا موجب:
- إن شئتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها مالها فافعلوا.
وكان رجاء ما مثله رجاء . . . وطلباً سما فوق كل أمر ، فقالوا مجيبين:
- نعم يا رسول الله . . . حباً وكرامة .
وأطلق سراح الأسير . . . ودفع إليه عقد خديجة الأثير . . . وتسابق إليه الناس يهنئونه بالحرية . . . وقام يشكر رسول الله – عمه – على يده البيضاء ، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن هنأه على سلامته وحريته، إلا أن أراد به خيراً، فاشترط عليه إذا عاد إلى مكة أن يرسل له زينب ابنته، فقد\ طال عهده بها، وآن لها أن تكون سبباً في جذب زوجها أبي العاص إلى الخير وسوقه نحوه، إضافة إلى أن فجيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أختها رقية قبل قليل – أيام بدر – لا يخفف منها إلا وقوف زينب بجواره.
هجرة زينب
وهاجرت زينب بعد عودة أبي العاص إلى مكة ، فلحقت بأبيها في المدينة، وكات أن تلقى حتفها نتيجة تعرض لؤماء قريش وبعض أنذالها لها، إلا أنها وصلت أخيراً مثقلة بآثار الغدر، ومكثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى فاجأها أبو العاص ذات ليلة في بيتها وهو يدخل تحت جنح الظلام سراً، خائفاً مستجيراً بها من أصحاب رسول الله الذين اعترضوا تجارته في إحدى رحلاته واستولوا عليها . . . فلم يجد مناصاً من اللجوء إلى زوجته تستخلص له ماله، وتخفف من محاصرته ومصيبته.
وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتهي من صلاة الصبح بأصحابه تلك الليلة حتى صاح صوت من طرف النساء.
- إن قد قد أجرت أبا العاص بن الربيع، فلا يتعرضن له أحد بمكروه.
وعلم الجميع بصاحبة الصوت من تكون . . . وكان أشدهم دهشة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال:
- هل سمعتم ما سمعت . . . إني لم أعلم هذا من قبل.
وكلمت زينب أباها ورجته في مال زوجها . . فرقّ لها النبي صلى الله عليه وسلم ثانية وقال لأصحابه :
- إن هذا الرجل منا حيث قد علمتهم – وقد أصبتم له مالاً – فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك، وإن أبيتهم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم فأنتم أحق به . . . فقالوا موافقين :
- بل نرده عليه، بل نرده عليه.
وفعلوا ما التزموا به، وأعادوا إليه جميع ماله بحذافيره غير منقوص . . . وقام أبو العاص يجمع ماله المسلوب، ويضمه إلى رحله، ويعد العدة للرحيل. وقرر أن يسلم
وعاد أبو العاص إلى أهل مكة، وأدى الأمانات إلى أهلها، ثم بعد إبراء ذمته قفل راجعاً إلى المدينة يعلن إسلامه وإيمانه، ولحاقه بالدين الحق، والرسول الوفي، والزوجة الحبيبة.
لقد طوقته مِنّة رسول الله، وبهرته آيات الله.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة