القصيدة الشهيرة قصيدة (لست ادري) أو ( الطلاسم)للشاعر الشهير.. إيليا أبي ماضي ليست شعرا فقط, بل هي فلسفة وفكرة, لا بل أصبحت مفهوما سلوكيا لكثير من الناس.. هذه القصيدة التي تتميز بالشك والتردد واللا أدرية وتتلخص في قول (ايليا): أين كنت؟ كيف جئت؟ ولماذا؟... لست ادري, لست أدري !!
هذه القصيدة فيها حيوية اللغة ونبض الشعر وعمق الاضطراب.
وهي ـ للأسف ـ ليست إلا طريقا للادينية أو للشك في الموجد المبدع, والشك قرين الشرك... ولكونها ذات انتشار واسع وأثر واضح في التفكير العربي فإنها تحتاج إلى من يصحح مسارها، أو يرشد فيها صاحب الروح التائهة، أو يجيب على بعض التساؤلات الحيرى... ولو حاول أن يفعل ذلك من لا قدم له في ساحة الأدب ولاحظ له في عالم البلاغة لما استطاع وإن كان صاحب منطق سليم وحجة صادقة... ذلك أن القصيدة بليغة متماسكة، لشاعر متمرس قدير ، تحتاج إلى نفس المستوى الأدبي والشعري والبلاغي أو ما يزيد عليها.. فالأسد لا يصارعه إلا أسد.
ومن هنا يأتي دور الأدب في خدمة الدين... فالقرآن ليس علما ومنطقا فقط، بل هو فكر ثاقب ومنطق معجز، في قالب بليغ وأسلوب مؤثر ومستوى رفيع, فمن لم يسجد في محراب فكره سجد في محراب أدبه, ومن لم يتعلق ببارق لفتاته وغريب استنباطاته أسره جميل عباراته وعميق تعبيراته وجزل كلماته... وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن من البيان لسحرا".
وقد تكفل بمعارضة الشاعر الفحل إيليا ابي ماضي في قصيدته (لست ادري) أو الطلاسم أحد العلماء الفحول الذين أقر لهم الشاعر أبو ماضي نفسه بتصحيح بعض أفكاره في تردده وشكه, وسلم له بالقدرة الفنية في أدبه وسبكه.. ولو لقيت قصيدة (الملحمة الكبرى) للشيخ الشاعر عبدالحميد السماوي من الاهتمام والنشر, والشرح والذكر بعض ما لقيت قصيدة (الطلاسم) لكان حريا بها أن تكون ندا لها ، وأن تزيل أثارها الفكرية السيئة في نفوس الكثيرين.
يقول عبد الحميد السماوي:
أفكون فوق كون متوازي الحركات
شاسع الأبعاد رحب متداني الحلقات
مفعم بالنور مغمور بأسرار الحياة
صادر عن غير قصد من مدير...ليس يدري!
حسبي الكون دليلا كلما عز الدليل
وتخطيت بإمكاني ضفاف المستحيل
إن لي ألف سبيل في وجودي وسبيل
قد تغشيت به الكون إلى ما...ليس يدري!
أيها الكون أزدني في أحاجيك بيانا
إنما أنت لسان الله قد كنت وكانا
ما رآك العقل إلا ورأى الله عيانا
فهو لولا الهيكل الماثل أضحى...ليس يدري !
أي آثارك تخفى؟ أي آلائك تجحد؟
أنت في الكوخ المعفى أنت في الصرح الممرد
أنت أنت الله بالأمس وأنت الله في الغد
أنت سر السر في العالم, لكن...ليس يدري !
لمن الأرض استقلت فوق اثباج الهواء
ألحكم الجذب دانت؟ أملحكم اللا خلاء
أم على قاعدة النشىء سرت والارتقاء
أم لناموس قضاء الله ذلت...ليس يدري!
فشعوري بوجودي هو برهان الوجود
واضطراري في حياتي شاهد أني مقود
وكما جئت ابتداء سوف أمضي وأعود
فلماذا وهو ذو عقل وحسن...ليس يدري !
هذه بعض أبيات (الملحمة الكبرى) للسماوي الذي يدري وهو يردد على إيليا ابي ماضي الذي لا يدري...
وليت شعري متى نركب متون الأدب ونمتطي جياد البلاغة نسرج مصابيح الشعر لنخدم ديننا أولا ، وليرق طبعنا ثانيا ، ولكي ندري ثالثا.. ولنقيس رقي الفكر الديني برقي الفن الأدبي... !!!