
ثمامة . . . أعرابي من نجد
كفة الإسلام راجحة
بعد غزوة الخندق، وبعد رجوع قريش مع حلفائها عن المدينة خائبة خاسرة، انكسرت شوكة الكفر، ومالت موازين الأحوال والقوى لصالح المسلمين، وتغيرت كثير من القناعات القديمة لدى الفريقين.
لقد أدركت قريش يقيناًَ أن لا طاقة لها برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن القوة والمبادرة لم تعد في أيديها، ومن هنا وبهذا المعنى يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بعد الخندق :
- (( لن تغزوكم قريش بعد اليوم )).
وأدرك المسلمون – من جهتهم – حقيقة الموقف الجديد ، فلم يقتصر تفكيرهم بعد الخندق على تأمين المدينة ورد المتآمرين على أطرافها، بل كانوا أكثر طموحاً، وأبعد تطلعاً ونظراً . . . فكانت سراياهم وغزواتهم بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وبتوجيهه تهدف في هذه المرحلة إلى مطاردة العدو في أرضه، لا انتظاره ومفاجأته قبل أن يتحرك ، وإرهابه وإدخال الرعب في صوففه قبل أن يتجمع.
لذلك فإن الدارسين للسيرة النبوية يرى في مرحلة ما بعد الخندق تحولاً واضحاً في مسيرة الأحداث ، هذا التحول يرجع كفتة المسلمين ويعطيهم زمام المبادرة ، ويفتح المجال أمام خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم لتجوب الأرض العربية شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً، تؤكد صلابة الدعوة، وتتحدى أعداء الإسلام، وتبسط سلطة الدولة الإسلامية في كل اتجاه.
خيل المسلمين تطأ نجدا
يقول أبو هريرة رضي الله عنه : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلاً قبل نجد . . . إلخ ، ونحن نعلم بعد المسافة بين نجد والمدينة، ومشقة اجتيازها بموازين تلك الأيام وإمكاناتها . . . فبين نجد والمدينة ما لا يقل عن مسيرة أيام عديدة متوالية .
وتعود تلك الخيل المرسلة قبل نجد بعد فترة، ولم يكن معها إلا أسير واحد من بني حنيفة، فيتعرف إليه الصحابة الكرام ويدققون فيه النظر، فإذا هو سيد من سادات بن حنيفة، لا بل فاتك من فتاكهم، يقال له : ثمامة بن أثال . . . ومن يجهل ثمامة وثراءه ومكانته ، وشره أيضاً.
ويتعجل بعض الحضور فيذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبشره بعودة السرية سالمة ومعها أسيرها.
وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يلقى من بني حنيفة عنتاً، ويتوجس منهم شراً إن عاجلاً أو آجلاً . . . كما كان يذكر جيداً أن هذا الأسير – ثمامة نفسه – سبق وغدر ببعض المسلمين فقتلهم، فهو إذن مطلوب بدمهم، وللمسلمين حق الثأر منه والقصاص، ولكن رغبة الرسول صلى الله عليه وسلم في إدخال ثمامة في الإسلام واستمالته إليه كانت أكبر بكثير من رغبته في الانتقام منه . . . وإذن فلا بدّ من المحاولة الجادة معه.
الأسير . . . العنيد
ويخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، وينظر حواليه، فيرى ثمامة بن أثال مربوطاً إلى سارية من سواري المسجد برباط محكم . . . فيدنو منه، ويتأمله ، ثم يسأله :
- ما عندك يا ثمامة؟ . . ويتنهد ثمامة، ثم يستجمع رباطة جأشه، ويجيب بصراحة وقوة :
- عندي خير يا محمد، إن تقتلني تقتل ذام دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسلّ منه ما شئت . . . ثم يسكت.
ولم يجد عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قصد إليه وما كان يرجو منه المبادرة نحوه، فلم يكن رسول الله راغباً في مدح عتيق يمنّ عليه، أو طعاماً في مال أسير يساومه على حريته، بل كان ينتظر منه أن يقبل الإسلام، والإسلام وحده، لذا رأت أن يؤجله إلى غدٍ، لعل له رأياً بعد حين، أو لعله يقبل نصيحة بعض من يشفق عليه من القتل . . .
وفي الغد يعود إليه ثانية ليسأله :
- ما عندك يا ثمامة؟، فيرد ثمامة مصراً :
- عندي ما قلت لك، إن تنعم تنعم على شاكر، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت .
ويعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم إعراض من لا يريد البت في أمره قبل الحكم والصبر عليه. ويؤخره إلى الثالث ليعود إليه فيكرر عليه السؤال ، فإذا به لا يجد لديه جواباً إلا تكرير مقالته السابقة، دون زيادة أو نقصان.
وإذن فكيف يكون التصرف مع هذا الرجل الذي مكث في الأسر ثلاثة أيام داخل المسجد، يسمع الإسلام، ويرى إقامة الصلاة، ويشهد حركة الأمة الوليدة، مع ما سبق منه تجاه المسلمين من غدر وشر وعداوة ومكيدة . . . ألا يستحق بعد هذا أن يضرب عنقه، ويبت في أمره . . . لعل بعض الصحابة توقع أن يشهد نهاية المسألة دون طويل انتظار.
نظرات بعيدة . . . وتصرف رائع
ولكن نظرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأمور دائماً لم تكن سطحية أو بسيطة . . . كان يعرف الرجال ونفسياتهم ، ويعامل كلاً بحسب ما يصلح حاله . . . لقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم بفطرته وحكمته أن هذا الرجل القوي العنيد لا يريد أن يقف موقف الضعيف، الذي يستجدي خصمه الرحمة، أو يتلطف إلى عدوه من أجل العفو عنه والرأفة به، لذلك قرر أن يقدم على خطوة حكيمة لم يكن يتوقعها أحد، ولم تخطر على بال . . . نعم . . . ها هو يأمر أصحابه :
- أطلقوا سراح ثمامة، وفكوا رباطه.
إذن فقد تصرف معه تصرف المنتصر الحليم، والمقتدر الشهم، الذي لم تأخذه نشوة الظفر به حينما تمكن منه، ولم يكن ثمة شيء أشد وقعاً في نفس ثمامة من هذا العفو غير المشروط بفدية، ولا المعلق بإهانة، ولا الهادف إلى مدح وثناء . . . لقد واجه ثمامة معروفاً من الرسول صلى الله عليه وسلم طوق عنقه، وطوى كل ضغينة سابقة.
ويحتار ثمامة بم يردّ معروف رسول الله ويده . . . ويقف لحظة ينظر إلى نفسه، ويتحسس أطرافه . . . ها أنت الآن حر طليق، فامض إلى حيث تريد، وافعل ما تشاء .
ويقرر في نفسه أمراً لم يطع عليه أحداً . . . فيخرج من المسجد دون كثير كلام، سوى أن يرد على من هنأه بالسلامة ودعاه إلى الخير بكلمات مقتضبات . . . ثم يمضي إلى بستان نخل في ناحية من نواحي المدينة، فيستتر بشجرة عن الأعين التي كانت ساعة خروجه من المسجد تتابعه بنظراتها، وهناك بين أعواد الشجر الباسق يملأ دلوه من بئر قريب، ويخلع ثيابه، ويغتسل غسل الإسلام والطهارة، ثم يجّمل هيئة، ويعود أدراجه قاصداً مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويفاجأ الجميع بعودة الأسير ثانية . . . لقد ظن الكثير أنه لن يعود . . . وما عساه أن يعود له . . . ويقوم إليه من يستفسر منه عما يريد، فلا يلتفت إليه ثمامة ولا يرد، حتى يقترب من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فشيئاً، فيبادر ثمامة بالقول، رافعاً صوته وسط إنصات الحضور :
الإسلام على لسان الأسير الحر
- أشهد أن لا إليه إلا الله وأن محمداً رسول الله.
ويضج المسجد بالتهليل، وتعلو الفرحة الوجوه، ويتهامس الحضور فيما بينهم بالتهاني، بينما يتابع ثمامة قوله :
- يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليّ!!. والله ما كان دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إليّ!! والله ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إليّ!!..
ويتهلل وجه الرسول فرحاً وبشراً، ويصبح كالبدر ليلة التمّ (1) إشراقه ونوراً، ويعجب الجميع لهذا التغيير الكامل الذي لم يتوقعه أحد من رجل ملأ فجاج الأرض شراً وأذى.
ويعود ثمامة إلى محادثة رسول الله صلى الله عليه وسلم :
- يا رسول الله إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟؟
ويتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مهنئاً ثمامة على إسلامه، داعياً له بالثبات والهداية، مبشراً إياه بالخير الكثير في الدنيا والآخرة، ثم يأمره أن يمضي إلى مكة، وأين يتم عمرته ونسكه.
لا خوف على ثمامة
ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يخاف على ثمامة من أهل مكة لسببين اثنين:
الأول : أن قريشاً لا تجهل من هو ثمامة، بل تعرفه جيداً، فطالما استعانت به في تأمين قافلتها عندما تجوز بأرض قومه، فكان لهم جاراً وعوناً.
والسبب الثاني : أن عهد الحديبية كان قد أبرم بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش، فالسلم قائم والحرب نائمة .
ويمضي ثمامة معتمراً، فيلبس ثياب إحرامه، ويدخل مكة، فيتلقاه أهلها بالترحاب غير عالمين بإسلامه، ويرافقه بعضهم في طوافه بالبيت فإذا به على حال غير حالهم، ونسك غير نسكهم، لقد أنكروا عليه تلبيته التي لا يعرفونها، كما استعظموا منه عدم الإلمام بأصنامهم التي يعبدونها . . . فيتساءلون فيما بينهم :
- ما بال الرجل، وما هذا الذي هو عليه . . . ثم يوجهون إليه القول في عتاب واستغراب :
- يا ثمامة . . . أصبوت؟ فما أنت على دينك الذي نعلم . . . ويجيب ثمامة بتحد :
- لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتختلف النظرات إليه . . . ثم يتناجى من حوله بكلام يتوجس من ثمامة شراً . . . فيتأخر عنهم ثم يصرح في وجوههم مهدداً :
- أنا ثمامة . . . أنا من تعلمون. لا والله لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة ميرة (1) حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
بل ويجوّع أهل مكة
ويظن القوم القرشيون أن الأمر مجرد تهديد، فلا يعترضون سبيل الرجل، ويتركونه يتم نسكه كما يشاء، بعد أن دخلهم من الغيظ ما دخلهم . . . ولكن ثمامة لم يكن يهدد فقط، بل كان ينوي أكثر من ذلك ، فلما قفل راجعاً إلى قومه جمع حوله جمعاً من أتباعه، ثم عمد إلى قافلة قريش فقطع طريقها، ومنعها أن تمر غادية أو رائحة.
ولم يستطع القرشيون تحمل هذا طويلاً ، كيف وهم الذين تمثل القوافل بالنسبة له عصب الحياة، بل إن أرواحهم معلقة بقوافلهم... ومن يستطع من خصومهم أن يوقف سير قوافلهم فإنه يمسك بخناقهم، ويكتم أنفاسهم!.. وهكذا، بلغ الجهد بهم أقصاه، كانوا من الهلاك قاب قوسين أو أدنى.
وفيما هم يقلبون النظر في أمر ثمامة، يستعرضون ما يمكن عمله في شأنه، تذكروا أنه قال على مسامعهم في معرض تهديده: حتى يأذن فيها النبي، وإذن فهنا الفرج، وفي المدينة المنورة مفتاح الحل، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستدرّون عطفه المشهود، ويحركون فيه عاطفته المعهودة... إنهم يعلمون حق العلم أنه ما من إنسان فوق الأرض أكثر شفقة من رسول الله... نعم إي والله.
استرحام واستعطاف
ـ يا محمد أتأمر بصلة الرحم وتقطع قومك... إن ثمامة يجيع أهل مكة... يجيع أطفالها ونساءها وشيوخها من بني عمك ورحمك... تكاد أن لا تجد بعد اليوم ذا عافية بمكة، إن لم تسر بأمر ثمامة بن أثال أن يخلي سبيل القوافل، ويبتعد عنها لتمر بسلام.
ويرقّ قلب النبي صلى الله عليه وسلم... وتلوح أمام ناظريه صور الجياع يتضاغون... فينسى بل يعفو عن كل عداوة سبقت من أهل مكة، ويأمر كاتبه أن يكتب إلى ثمامة كتاباً يحيي فيه إيمانه القوي، كما يأمره بأن يرأف بهؤلاء، فيخلي سبيل ما اعترض من أموالهم... فجوع الأطفال والنساء وصرخاتهم أمر لا تحتمله شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمته.
صلى الله عليك يا صاحب القلب الكبير والرحمة الواسعة.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
(1) ليلة الرابع عشر من الشهر القمري.
(1) الطعام يمتاره الإنسان أي يتمونه. ومنه قوله تعالى : (ونمير أهلنا) يوسف : 65
الصفحة السابقة