
أحب الدين أيسره
لا يحب الفردية
من أشد الأشياء التي أبغضها النبي عليه الصلاة والسلام في حياته : أن يكون المرء "فردياً" يدور حول نفسه، وينظر إليها، ويفكر فيها، ويسعى من أجلها، دون أن يلتفت إلى من حوله، أو ينظر في حقوقهم عليه، أو يأبه لواجباته تجاههم !!. فذلك كله كان من أبغض الأحوال إلى نفسه .
هذه الفردية ، أو الأنانية ، أو الإحساس بالذات فقط ، لم تكن كراهية النبي عليه السلام لها مقصورة على الجانب الاجتماعي والعلاقات العامة من الحياة، بل كان ينكرها ويأباها، وينهى عنها في الجانب الإيماني والتعبدي . . . وفي جوانب الحياة كلها.
ويسأل المرء نفسه في هذا المضمار : ما الذي يمكن أن نفسر به نسيان شخص لظروف من حوله، أو تجاهله لالتزاماتهم ومسئولياتهم ، وانشغاله بالذي يحب هو، ويفكر به هو – فقط – دون سواه؟!.
قد تكون نقصاً في الإحساس بالمسؤولية، أو ضعفاً في المشاركة الجماعية، أو تجاوزاً للرحمة . . . أو غير ذلك . . .
وإليكم بعض الصور الموضحة .
ولا التشدد في الصلاة
معاذ بن جبل . . . رجل من خيار الصحابة الكرام، كان – لبعد منزله، ولعلمه وفضله – يصلي في مسجد قومه حيث يقيمون في عوالي المدينة ، يتقدمهم إماماً، ويقفون خلفه مقتدين .
ويستطيب معاذ – رضي الله عنه – القراءة في صلاة الفجر، حيث الصفاء والهدوء، وحيث نسائم الهواء العليل تداعب الوجوه المصبحة، فيطيل ما يشاء في قيامه، ولا يأبه لمن حوله ممن وراءهم أعمال عديدة، ومشاغل مبكرة، وهموم قاسية، فقد كان كثير منهم مزارعون بسطاء، أصحاب بساتين وعمل يدوي.
وذات يوم أطال في صلاته حتى قطع أحدهم الصلاة، وخرج من الصف، وانتحى ناحية من المسجد، فصلى لنفسه، ثم عجّل هرباً من ألسنة الناس التي لا ترحم، إذ تصفه بالنفاق والمروق ، ولجأ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو:
- يا رسول الله إن لأكاد أترك صلاة الفجر في المسجد مما يطيل بنا معاذ!. .
ويسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل عما يقرأ معاذ في صلاته فيقول: إنه يقرأ بسورة البقرة وأشباهها من السور الطوال، فيهدئ من روع الرجل ويعده وعداً حسناً، ثم يرسل في أثر معاذ رضي الله عنه ويستدعيه وقد وجد عليه في نفسه، وظهرت علامات غضبه في وجهه، حتى إذا جاء بادره قائلاً :
- أفتّان أنت يا معاذ . . . إن منكم منفرين ، مَنْ أمّ بالناس فليخفف ، فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة .
هذه هي صور من صور الرحمة التي ملأت قلبه، فجعلته دائم التفكير بالجماعة وهمومها قبل التكفير بالفرد ورغباته، حتى ولو كان الأمر متعلقاً بعبادة الصلاة التي يؤجر الإنسان على الاستزادة منها وفيها . . .
ولم يقتصر الأمر على الصلاة وتألفه للناس فيها، بل كان الأمر قاعدة عامة ، يتناول كل حال وموقف . . . إنه خلق كريم ، وسمة بارزة في حياة النبي عليه السلام وسيرته .
ولا في الصيام
في الصيام . . . كان إذا سافر أفطر ، وترك للناس أن يفطروا أو أن يصوموا، لا حرج على من فعل أحد الأمرين . . . فإذا كان السفر في غزو ألحّ على أصحابه بالإفطار ، يقول :
- إنكم مصبحوا عدوكم غداً، وإن الفطر أقوى لكم فأفطروا.
ثم يعمد إلى قربة ماء فيرفعه أمام الجميع ، ثم يسكب في فمه منها ما أحب .. فإذا بذكر له بعد ذلك أن نفراً ممن معه تعمدوا أن يشاقّوا بأنفسهم، ويخرجوا عن هدية السمح، حذرهم بقوله :
- أولئك هم العصاة . . . أولئك هم العصاة .
ومثل الصوم في مراعاة الظروف واختلال أحوال الناس كان هديه – عليه الصلاة والسلام – سائر العبادات .
ولم يقتصر رفقه بالناس وتيسيره عليهم بمن كان حق في عبادة من العبادات أو عمل من الأعمال، بل تعدى هذا الرفق وشمل مع ذلك من جاءه جاهلاً بالدين، متخطياً كل أبجديات الإسلام، لا يميز بين ما يحسن وما يقبح ، وبين ما يسكت عليه وما لا يسكت . . . ومع ذلك فقد كانت رحمة النبي صلى الله عليه وسلم أوسع وأوسع.
بل كان يحب الرحمة واليسر
ذات يوم جلس مع أصحابه في المسجد ، وللمسجد حرمة ومنزلة، فهو بيت الله، ومجمع الناس ، ومركز الدولة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . . . ولكنه – أي المسجد – كان بالنسبة للعرب الذين لم يسلموا بعد أمراً غير مألوفاً ولا معروفاً لهم . . . وعذرهم في ذلك أنهم لا يعرفون في جزيرتهم كلها حرمة لسوى البيت الحرام.
وبينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه ذاك . . . إذ دخل أعرابي المسجد، فنظر إلى الجالسين فيه غير عابئ ولا مكترث . . . ثم انتحى ناحية المسجد الأخرى – وقد أحس برغبة في التبول – فشمر عن ثيابه ثم جلس يبول . . . ويبول.
وكان أمره مستغرباً وقبيحاً، بل كان فوق ما يستطيع الصحابة تحمله، فما أسرع ما ابتدروه ينتهرونه ويزجرونه ويصيحون فيه . . . وهو في غاية الاستغراب والدهشة من غضبهم وانفعالهم ، فما لهم له! إنه لم يفعل شيئاً يستدعي ذلك كله كما يرى !!..
ووسط ارتفاع أصوات الصحابة مستنكرين متوعدين ، تحرك بعضهم ليهمّ به . . وهنا تدارك رسول الله صلى الله عليه وسلم الموقف بحكمته ورحمته وحسن تألفه للرجل، فسارع يوقف أصحابه، ويمسك بزمام الموقف :
- دعوه . . . لا تزرموه . . . لا تقطعوا عليه بوله . . . خلوه حتى ينتهي لئلا ينفر منكم فيصيب ببوله نفسه وثيابه وأطراف المسجد . . . ولئلا تخبث نفسه فينفر منكم وينأى عنكم .
ويجمد الصحابة في مكانهم تاركين الرجل يكمل بوله . . . حتى إذا فرغ منه دعاه الرسول غليه فقال في حنو بالغ :
- يا أخا العرب : إن هذه المساجد بيوت الله لا تصلح لشيء من أقذار الناس . . . إنما هي للذكر والصلاة وقراءة القرآن . . . ما كان يليق بك أن تفعل ما فعلت ببيت من بيوت الله .
هكذا كان خطابه لهذا الأعرابي البادي . . . خطاب الرفيق الرحيم ، في الوقت الذي كاد أن يبطش به من حضر . . . والفرق واضح بين رحمة الرحيم وحكمة الحكيم عليه الصلاة والسلام ، وبين تسرع المتسرعين وشدة المتحمسين من الصحابة عليهم الرضوان . . . هذا الفرق الكبير دفع الأعرابي إلى القول بملء فيه :
- اللهم ارحمني وارحم محمداً . . . ولا ترحم معنا أحداً !. . فيرد عليه النبي عليه الصلاة والسلام مصححاً :
- لقد ضيقت أو حجّرت واسعاً يا أخا العرب .
معلم حكيم
لقد كان صلوات الله عليه وسلامه . . نِعْم المعلم الحكيم والناصح المشفق . . . فلم يقبل من أحد أن ينفر الآخرين عن دين الله ، ولو كان يقول الحق أو يتمسك بك . . . فالحق لا ينبغي أن تتولد عنه النفرة والاستيحاش .
ضرب لأصحابه مثلاً ذات مرة . . . وما أكثر الأمثلة في هذا المجال فقال:
"إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل ندّت منه ناقته، فقام إليها الناس ليأخذوها، فلم يزيدوها إلا نفوراً، فقال لهم : دعوها إنما هي ناقتي وأنا أعلم بها، فما زال يتلاطفها حتى أخذ بخطامها".
وأمرهم – وكان هذا شأنه عليه السلام – أن لا يقتصر اهتمامهم على أنفسهم دون النظر إلى إخوانهم في الإيمان . . . بل إن لب الإيمان وجوهره أن تبذل الخير وتفعله لغيرك .
- " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " .
وصايا عديدة
وعندما توسعت دعوة الإسلام ، وامتدت أطرافها إلى بقاع شتى من أنحاء الجزيرة، أرسل بعض رسله إلى اليمن، وعلمه كيف يكون مبشراً ميسراً حكيم التصرف :
" ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإذا قالوها فأعلمهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ، فإن فعلوها فأخبرهم أن عليم زكاة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن فعلوها فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوى المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب " .
وكان باستمرار يوجه أصحابه بقوله عليه السلام :
" بشّرا ولا تنفروا، ويسّروا ولا تعسروا، فإنما بعثتم ميسرين " .
وكان من شأنه أنه :
ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً أو قطيعة رحم.
وكان وصف الآية – كذلك – أدق من كل وصف وأبلغه : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (1) .
صلى الله عليك يا رسول الله . . . فقد كنت حريصاً تتألف الناس في الله ، في الوقت الذي كان الكثير – ولا يزالون – ينفرون الناس ويبغضونهم في الله، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة