مقابلات صحفية |
| أجرت العديد من الصحف والمجلات والدوريات مقابلات كثيرة مع فضيلة الشيخ عبد الله نجيب سالم في مواضيع دينية وأدبية واجتماعية وسياسية ... وفيم يلي بعضها ... |
P
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الفقر والحاجـة
الفقر من أكبر المشاكل البشرية سواء كان فقر فرد أو فقر أمة وهو الذي يفسح المجال لانتشار الجريمة أو شيوع التطرف أو انقسام المجتمع بل إنه الباب المفتوح إلى الشقاق والفسق وفساد الأخلاق والذمم حتى تمنى كثير من عقلاء البشر وحكماء الناس أن لو استطاعوا القضاء عليه لقضوا إذن على ذيوله وآثاره، أما سمعنا كلمة علي كرم الله وجهه " لو كان الفقر رجلاً لقتلته ".
فما هو الفقر وما درجاته وكيف تكفل الإسلام برد غوائله عن الإنسان وكشف غُمته.
الفقر نزول مستوى ما يحصل للإنسان من دخل وثروة تحت مستوى ما يحتاجه من إنفاق وصرف، لكنه يختلف قلة وكثرة في إطار هذا المستوى المتدني للمعيشة وذلك ابتداء من عدم توفر شيء للإنسان البتة إلى توفر مالا يكفيه ويسد حاجته...فكل ذلك فقر وعدم على اختلاف في الدرجات وتباين في الأثر والنتيجة.
وقد توجه الإسلام إلى محاربة أدنى درجات الفقر وأقساها ( وهي العوز والفاقة والعدم ) محاربة شديدة حتى جمد القوانين وأباح المحظورات واستثنى المضطرين من أجل إخراجهم من هذه الصورة البئيسة للحياة والقاسية ، تلك الصورة التي تحمل الإنسان مالا يطيق وتصل به إلى درجة الكفر والعياذ بالله.. ونرى تلك المحاربة واضحة في مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من الفقر فإنه بئس الضجيع " وقوله " ما آمن بي من بات شبعان وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم " وقوله " أيما قوم بات فيهم جائع فقد برئت منهم الذمة" وقول أبي هريرة رضي الله عنه" عجبت لمن بات طاوياً كيف لا يخرج شاهراً سيفه على الناس " وفي هذا المضمار أبيح لمن بلغ حالة الاضطرار أن يأكل الميتة أو يأخذ قسراً ما يكفيه من طعام ممن فضل عن حاجته ذلك الزائد، أو أن يأكل بلا إذن من طعام الغير دون أن يعتبر ذلك جرماً أو سرقة كما أوجب أن تصرف لهؤلاء الزكاة فإن لم تسد حاجتهم الأساسية الضرورية زيد ما يخرج من مال الأغنياء بمقدار ما يسد حاجة الفقراء دون منّ أو استعلاء أو شعور بالفوقية من أحد عليهم ( والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) المعارج/24ـ25 وقد قال عمر رضي الله عنه كلمته الشهيرة بعد عام الرمادة ـ وهو عام جوع وشدة ـ لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذ فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين.
أما ما يتعلق بنقص بعض الحاجات غير الضرورية أو ما يطلق عليه اسم التحسينات والكماليات أي مالا يصل بالإنسان إلى حد الغنى وتحصيل كل ما يريد وتحقيق ما يتمنى فمثل هذا الشق سلك الإسلام فيه مسلك التهدئة وتطييب الخاطر بل واستحسنه الدين من حيث أن ذلك أدعى إلى الإحسان بالعبودية لله وأقرب إلى تحقيق التكاتف بين أفراد المجتمع وأبعد ما يكون عن الكسب الحرام، لذلك جاء في الحديث الشريف " اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً " وقولُ النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين". وقوله " بل أرجو أن أكون نبيناً عبداً أشبع يوما فأشكر وأجـوع فأصـبر"
وإذا أردنا بشكل عابر أن نقف على علاج الإسلام لمشكلة الفقر بقسميه السابقين نرى ما يلي:
1 ـ إن على أهل الغني إعانة الفقراء ومساعدتهم بإقراضهم ما يحتاجون مع تعهد الله بمضاعفة الأجور للمقرضين ( من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) ومع منعه سبحانه أن يزاد عليها ولو مر زمن وزمن وذلك عن طريق الربا ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) فإذا عجز الفقير عن سدادها وجب أن يعطى من الزكاة ما يكفيه لسدادها ولسد حاجته ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين....) كما وجب أن يعطى من قسم الفيء والغنيمة ( واعلموا أن ماغنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل )، و( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) ، ولنلاحظ أن القرآن أوجب إضافة إلى ذلك إنظار المعسر حتى يوسر أو التصدق عليه بما عليه ، قال تعالى: ( وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون).
وليخش الغني أن يمنع الفقير شيئاً زائداً عنده عن حاجته كإعارة أو هبة لكي لا يكون من أولئك الذين ( يمنعون الماعون) وفي هذا المعنى جاء قوله عليه السلام " من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ومن كان له فضل مال فليعد به على من لا مال له... الخ" وقوله " إن كانت له أرض فليزرعها أو ليعطها أخاه ليزرعها ".
2 ـ كما أن الإسلام من طرف آخر أمر الفقراء ـ غير المعدمين الهالكين ـ أن يصبروا ويتعففوا حتى ترتفع معنوياتهم إلى مستوى الأغنياء ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا) فالغنى حقيقة هو غنى القلب " ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس" والغني هو الذي يكتفي بحاجاته التي تتيسر دون التطلع إلى كل جديد وبَهْرج ومثير ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى) وبهذا الأسلوب تنبع السعادة في قلوب الناس من واقع قناعتهم ورضاهم بما رزقهم الله من حلال قليل بل واستعدادهم لبذل ما يرضى الله ولو كانوا بحاجة ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) عن أبي هُرَيرَةَ عن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّم "انظروا إلى من هو دنوكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم" أخرجه مسلم
التوزيع العادل للثروة
إن تركز الثروات والموال في أيد محدودة قليلة، وعدم وجود مايكفي للحياة في باقي الأيدي الكثيرة المعدمة، يعني الكثير الكثير في السلوك والفكر والسياسة.. إنه يعني قابلية الإنسان للانحراف بسبب غنى يطغيه أو فقر يرديه، ويعنى دخول الغرور في نفس الغني إلى حد الإلحاد وأطراف الكفر ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)العلق/6ـ7 ويعني تسلط الغني على الفقير واستعلاءه واستكباره عليه (فخرج على قومه في زينته) القصص/79 وتعني اختلال موازين المجتمع والحياة لأن الغني الذي يملك المال يستخدم العالم المفكر ويستأجر الشاب الطموح وتجري وراءه الفتاة الطرية الناعمة ويلوذ بحماه كبراء القوم وزعماء السياسة والأدب والدين، لذلك كان لابد من العمل ـ في نظر الإسلام ـ على حل جذري وفعال ودائم لمشكلة تركز الثروات في أيدي نفر قليل..
وبصدد هذه المشكلة ـ توزيع الثروة ومعالجة الفقر ـ فإننا باستقراء عاجل ونظرة خاطفة نلحظ منهج الإسلام في معالجتها:
1ـ لم يربط الإسلام بين الغنى والسعادة بل صور الغني على أنه ممتحن بأكثر مما امتحن به الفقير، وأنه ربما كان أكثر قلقاً واضطراباً على ماله من اضطراب الفقير لفقره.. ولسنا هنا تحدث عن الفقير المعدم الذي يعاني سكرات الموت بآلام الجوع، بل نتحدث عن الإنسان المكتفي بحاجاته، المستغني بما عنده عما عند الناس، فهذا هو المقصود بحديث النبي صلى الله عليه وسلم" من بات آمناً في سربه معافى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " ، وبقوله للرجل الذي قال له: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: "ارغب فيما عند الله يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس "، وبمثل هذه الطمأنينة والسعادة جاء قوله عليه الصلاة والسلام " اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً " وعلى العكس من ذلك فقد ولد في نفس الغنيشعوراً بالمسئولية ـ ولا أقول شعوراً بالذنب ـ من حيث جعل المساءلة له يوم القيامة شديدة حتى ربما أخرته عن دخول الجنة إلى أن ينجو بعد الشدة ويفوز بعد الحساب " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ومنها: وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟".
2ـ ولد الإسلام الشعور بالذنب والإثم في تلك النفوس التي تكدست الأموال فيها عن طريق الكسب الحرام سواء كان ذلك الطريق أكـل أمـوال اليتامى ظلماً: ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا)النساء/10 أو عن طريق الربا : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) البقرة/275 أو عن طريق أكل الزكاة ومنع الفقراء حقهم ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ماكنزتم لأنفسكم فذوقوا ماكنتم تكنزون) التوبة/35، هذا الشعور بالذنب يجعل جمع المال من حرام كبيرة من الكبائر " كل جسم نبت من حرام فالنار أولى به " ويجعل الله عز وجل يعرض عن صاحبه وهو " يمد يديه إلى السماء يارب يارب ومطعمه من حرام ومشربه من حرام وغذي بالحرام فأني يستجاب له ".
3ـ سلك الإسلام سبيلاً لتفتيت الثروة كلما تضخمت، وتوزيعها على أكبر عدد من الأقرباء والأهلين، وهذه هي فكرة الإرث وانتقال المال بواسطة الآباء للأبناء، ومن الأزواج للزوجات ومن الأقرباء لعصبتهم، ويعتبر نظام الإرث في الإسلام نظاماً إجبارياً أي أن الله المالك للمال هو الذي أمر أن يوزع بهذه الصورة بعد موت صاحبه، وليس لصاحبه حق في أن يعدّل فيه أو يزيد أو ينقص فيه، كما وضع الإسلام نظام الزكاة في الأموال النقدية والاستثمارية والإنتاجية من ذهب وفضة وزروع وأنعام وعروض تجارة وركاز، ومقدار الزكاة يتفاوت فيما بين 10% إلى 5ر2%، كما وضع الإسلام نظام الفيء الذي يجبيه المسلمون عن طريق الجهاد في سبيل الله فخص الله به معظم أنواع الفقراء دون سواهم، وبيّن الحكمة في ذلك في آية كريمة تعتبر عمود البحث في توزيع الثروة بين الناس أجمعين وهي قوله تعالى: (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) الحشر/7 أي حتى لا يبقى المال محصوراً بين أيدي الأغنياء فقط بل ينبغي أن ينتشر ويعم جميع طبقات المسلمين.
ومن هذا المنطق فقد أحدث عمر بن الخطاب رضي الله عنه تفسيراً واضحاً للكيفية التي تدار بها الأموال الضخمة عندما رفض أن يعطى أراضي العراق المفتوحة للغانمين بل ضمها إلى بيت المال ليستثمرها وتكون ردءاً لخزينة الدولة ، وتعود الدولة على جميع مواطنيها بالعطاء الكافي... إنه حل جذري وواع لمشكلة لم يكن قد سبق إلى حلها أحد قبل عمر رضي الله عنه الذي استهدى بنور القرآن ونفذ مقاصده.
4 ـ فتح الإسلام منافذ كثيرة للتصرف بالمال وإنفاقه في رضا الله ـ عدا الإنفاق الإجباري بالزكاة ـ وربط بين المسارعة إلى هذه السبل وبين محبة الله وصدق الإيمان به، وجعل ذلك ميداناً تتسابق فيه نفوس المؤمنين، فالإيمان بالله مرهون بنوع من الحب الخالص ـ لله ـ العميق في القلب لا يمكن أن يغالبه أو ينازعه حب المال مهما تأصل في النفوس ورسخ في الوجدان( والذين آمنوا أشد حباً لله ) البقرة/165 من تلك المنافذ رعاية الأرامل، وكفالة اليتامى، وإصلاح الطرق، وإنشاء الزوايا والتكايا، وبناء الربط والمستشفيات، وتشييد المدارس والمساجد، وحفر الآبار وإيقاد الأنوار في المساجد والدروب، وتجهيز العوانس، ورعاية الحيوان والإحسان إليه، ومساعدة طلبة العلم، ووقف الكتب ، وكفاية المعلمين، وإنشاء الاستراحات في المفاوز، وغير ذلك مما يفتخر به التاريخ الإسلامي، ومما يؤدي إلى تخفيف تكدس الثروات في أيدي الأفراد بمحض إرادتهم وبخالص رغبتهم، فذلك أعظم ما يدخرونه من عمل يبقى أجره حتى بعد الممات.
عبد الله نجيب سالم
الباحث العلمي بالموسوعة الفقهية
الصفحة السابقة