 |
|
أبحاث علمية حول اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بشئون المسلمين الدنيوية ورعاية مصالحهم
|

الرعاية النبوية للشئون القضائية
تمهيد:
يعتبر القضاء ركناً هاماً من أركان المجتمع الأساسية، فبدونه يختل عقد المجتمع، وينخر فيه الفساد ... وقد كان للقضاء في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتمام خاص وشديد ولا أدل على ذلك من أنه صلى الله عليه وسلم باشر القضاء في المجتمع بنفسه غالباً، ولم يكل أمره إلى أصحابه إلا لحاجة ملحة أو مصلحة معتبرة وكان ذلك في مسائل محدودة.
القاضي إنسان توجهه الأدلة:
وعلى الرغم من أنه صلى الله عليه وسلم رسول يوحى إليه، ومحفوف بالعناية الإليهة التي ترعاه وتعصمه من الخطأ، إلا أنه بين للناس عموماً أمراً مهماً يتعلق بقضائه وبقضاء من بعده من الناس، وهو أنه يبني أحكامه على ظاهر الحال وموجب البينات. فعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إليّ، فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما سمعت، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعاً من النار".
مجلس القضاء:
ولم يكن في عهده صلى الله عليه وسلم مكان معين للقضاء وإنما يستفاد من بعض الروايات أن أول من اتخذ داراً للقضاء في الإسلام هو عثمان بن عفان رضي الله عنه.
ولكن كثيراً من أحكامه القضائية صلى الله عليه وسلم كانت في المسجد فقد فصل في خصومة كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد في دين بينهما في المسجد، كما لاعن بين زوجين في المسجد وغير ذلك كثير، أورد المرغيناني في (الهداية) أنه عليه الصلاة والسلام قال: " إنما بنيت المساجد لذكر الله وللحكم "ولكن ـ حفاظاً على حرمة المسجد ـ جاء النهي الصريح عن إقامة الحدود ورفع الأصوات بالخصومات في المسجد لما في ذلك من انتهاك حرمته، فعند ابن ماجة عن واثلة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " جنبوا مساجدنا صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسلّ سيوفكم، واتخذوا على أبوابها المطاهر، وجمروها في الجمع".
صفات القاضي:
وكان من هديه عليه السلام في القضاء أن القاضي ينبغي أن يكون عالماً عادلاً تقياً حتى يكون منصفاً مصيباً، وإلا فإنه بغير ذلك يكون ظالماً ضالاً ولو أصاب الحق مصادفة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قاضيان في النار وقاض في الجنة، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فجار متعمداً أو قضى بغير علم فهما في النار ".
أقضية رسول الله (صلى الله عليه وسلم):
وقد تناولت أقضية النبي صلى الله عليه وسلم جملة كبيرة من القضايا التي وقع فيها التنازع في الأموال والجنايات والحدود والأحوال الشخصية والحقوق والأنساب والحلال والحرام والشبهات والطب والجهاد والغزو والنذور والأيمان والدعاوي والبينات وغير ذلك من المسائل، التي كان فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكماً عادلاً وقاضياً موفقاً مسدداً من عند الله. والأمثلة على ذلك من السيرة النبوية كثيرة، نسوق منها ما يلي:
في الصحيحين عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله. فقام خصمه ـ وكان أفقه منه ـ فقال: صدق اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي. فقال: قل. قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا (أجيراً) فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله. المائة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس على امرأة هذا فاسألها فإن اعترفت فارجمها). فاعترفت فرجمها.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام. فقال سعد: هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليّ أنه ابنه. انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى شبهاً بيّناً بعتبة. فقال: (هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه ياسودة). فلم تره سودة قط.
وفي الصحيحين من حديث البراء بن عازب أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد رضي الله عنهم. فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي. وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي. وقال زيد: ابنة أخي. فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالتها وقال: (الخالة بمنزلة الأم).
الأسس العامة للقضاء:
وقد أسس النبي صلى الله عليه وسلم للقضاء أسساً أصلية مهمة جداً
منها: أن البينة على من ادعى، فإن لم يكن له بينة استحلف المدعى عليه. ففي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم. ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر ".
ومنها أن البينة قد تكون شاهدين ذكرين أو شاهد ذكر وامرأتين من العدول. وقضى عليه الصلاة والسلام بشاهد ويمين وقال تعالى: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء) (البقرة/ 282).
ومنها أن الحكم قد يعتمد على القرينة عند انعدام البينة أو تعارض البينات. روى الدارقطني عن جابر رضي الله عنه قال: إن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ناقة فقال كل واحد منهما: نتجت هذه الناقة عندي وأقام بينة. فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي بيده.
ومنها أنه إذا اشتبه الأمر على القاضي في إدانة متهم فعليه أن يرجح جانب العفو على جانب الإدانة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لأن يخطئ القاضي في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ".
ومنها أن القاضي لا يقبل شفاعة أحد في حد من حدود الله بعد أن يصل أمره إلى مجلس القضاء حتى ولو كان الشفيع الشاكي نفسه. ففي سنن أبي داود والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بقطع سارق رداء صفوان بن أمية وكان نائماً عليه في المسجد. فأراد صفوان أن يهبه إياه أو يبيعه منه توصلاً لإسقاط الحد عنه فقال عليه السلام: هلاّ كان قبل أن تأتيني به. ومنها أن على القاضي التأكد من الواقعة المعروضة أمامه حتى لا يخامره شك في إدانة المتهم ولو كان معترفاً. فعند البخاري ومسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال لماعز لما جاء معترفاً بالزنا: (أبك جنون ؟ قال: لا. قال:أحصنت؟ قال: نعم). وفي رواية للبخاري قال له:( لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت) وفي رواية أنه شهد على نفسه أربع شهادات. ومنها أن المرأة لا يقام عليها الحد حتى تضع حملها ـ ولو من زنا ـ فقد رد النبي صلى الله عليه وسلم الغامدية بعد أن ثبت عليها الزنا فقال: (اذهبي حتى تلدي. فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته. قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز) فرجمها بعد ذلك.
ومنها أن للقاضي أن يشفع فيما هو من حقوق العباد لدى صاحب الحق لعله يتجاوز عن المحكوم عليه. وذلك بعد أن يظهر الحق ويبينه. جاء في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أن رجلاً ادعى على آخر أنه قتل أخاه فاعترف فقال: (دونك صاحبك. فلما ولّى قال: إن قتله فهو مثله. فرجع فقال: إنما أخذته بأمرك فقال صلى الله عليه وسلم: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك ؟ فقال: بلى. فخلّى سبيله). وغير ذلك من القواعد العامة في القضاء كثير لا يكاد يحيط به الحصر إلا بمشقة وطول عناء.
درجات التقاضي:
وقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترفع إليه قضايا أصحابه القضاة لينظر فيها فيؤكد ما يراه صواباً منها، وهو ما يسمى اليوم بدرجات التقاضي، من محكمة ابتدائية إلى استئناف إلى تمييز. روى أحمد والبزار أن قوماً احتفروا بئراً باليمن فسقط فيها رجل فتعلق بآخر والثاني بالثالث والثالث بالرابع فسقطوا جميعاً فماتوا، فارتفع أولياؤهم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضياً وداعياً، فقال: اجمعوا من حفر البئر من الناس، وقضى للأول بربع الدية لأنه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني بثلثها لأنه هلك فوقه اثنان، وللثالث بنصفها لأنه هلك فوقه واحد، وللرابع بالدية تامة. فأبوا أن يرضوا بقضاء علي، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم العام المقبل فقصوا عليه القصة فقال: (هو ما قضى بينكم).
القضاء على أهل الكتاب:
وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام بعد ترافعهم إليه. ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا أن رجلاً منهم وامرأة زنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأْتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيها آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد، إن فيها آية الرجم فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما. وفي بعض الروايات أنه دعا بالشهود فجاؤوا أربعة فشهدوا على الرجل بالزنا.
اتخاذ السجن:
كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه سجن المحكوم عليه حتى ينفذ الحكم. أخرج عبد الرزاق في مصنفه أنه صلى الله عليه وسلم سجن رجلاً أعتق شرْكاً له في عبد فوجب عليه استتمام عتقه، حتى باع غنيمة له. وعند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تُهمة.
ولم يكن أيام النبي صلى الله عليه وسلم مكان خاص للسجن، إلا أن عمر رضي الله عنه أول من اتخذ داراً للسجن.
تعدد القضاة:
وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم قضاة للناس بحسب الحاجة، إما بين يديه وإما في المناطق النائية، فممن قضى بين يديه أبو بكر الصديق وعمر وعلي رضي الله عنهم. فعند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم جاءه خصمان فقال لعمر: " اقض بينهما " وكذلك قال لعقبة في خصمين جاءاه: " اقض بينهما ".
وممن أرسله إلى أطراف بلاد المسلمين قاضياً: علي بن أبي طالب ففي (الاستيعاب) أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن وهو شاب يقضي بينهم، وقال له: (إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضي بينهم حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء).
وأرسل معاذ بن جبل إلى اليمن وسأله معلماً وممتحناً: (كيف تقضي؟ قال: أنظر في كتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: أنظر في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب بين منكبيه وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب الله ورسوله).
وعن مسروق فيما أخرجه الطبراني: كان أصحاب القضاء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستاً: عمر وعلياً وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبا موسى الأشعري.
وأخرج الحاكم وأحمد عن معقل بن يسار: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقضي، قال: (إن الله مع القاضي ما لم يَحِف عمداً).
أجرة القاضي، وولاية المظالم:
وتدل بعض الروايات على أنه أرسل عتاب بن أسيد إلى مكة فولاه أمارتها وقضاءها وفرض له ـ أي أجرى له راتباً ـ كل يوم درهماً، أو كل سنة أوقية..
كما يستفاد من تتبع سيرته عليه السلام أنه كان يباشر بنفسه ولاية المظالم أي رفعها عن المظلومين، كما فعل في السرب الذي تنازعه الزبير بن العوام ورجل من الأنصار في شراج (أي مسيل ماء) فأمر الزبير أن يجري الماء لحاجة ولو بغير رضا صاحبه.
كتابة العقود وتوثيقها:
وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه وثق بعض العقود بالكتابة، فعند الترمذي أنه كتب كتاباً للعداء بن خالد بن هودة بشرائه عبداً، كما كتب عقد عتق أبي رافع مولاه عليه السلام وأشهد عليه أبا بكر وعثمان وعلياً.
قال القضاعي: كان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير يكتبان المداينات والمعاملات. وكان عليه الصلاة والسلام يشير إلى العارفين بالمواريث والفرائض فيقول ـ كما جاء عند الترمذي ـ : أفرضكم زيد. وكان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عائشة عن الفرائض.
مؤلفات القضاء:
هذا ويطول استقصاء بحث عنايته صلى الله عليه وسلم بشئون القضاء. ولقد أفرد كثير من العلماء النوازل التي نزلت في حياته وحكم فيها جماعة من الأئمة بالتأليف وأشهرها ـ كما يقول الكتاني ـ كتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام ابن الطلاع الأندلسي، وكتاب الفتاوى النبوية في المسائل الدينية والدنيوية لابن المبارك الموصلي، وكتاب أقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام علي المرغيناني الحنفي، وكتاب إعلام الموقعين لابن القيم ففيه جزء كبير من قضائه عليه السلام، وغير ذلك كثير.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة