عمر أبو ريشة… يرفّ بجناحيه حول رسول الله r
1918 ـ 1990 م

ولد الشاعر السوري عمر بن شافع أبو ريشة في عكا بفلسطين عام 1918م لأبوين مثقفين ينحدران من بلدة منبج شمال سوريا. تلقى تعليمه الجامعي أولاً في بيروت في الجامعة الأميركية، ثم سافر إلى انكلترا وهناك تعلق بدينه وتاريخه وحضارته. اشترك في الحركة الوطنية أيام احتلال فرنسا لسورية وسجن عدة مرات.
عمل أبو ريشة سفيراً لسورية في عدد من الدول فترة طويلة من الزمن، واستطاع أن يكون صداقات مع معظم رجال العالم آنذاك. نال عدة أوسمة عالمية.
عمر أبو ريشة شاعر متعمق قدير تتجسد في شعره القيمة الإنسانية النبيلة، وقد أثرت فيه القضية الفلسطينية تأثيراً خاصاً. كان له في المجال الإسلامي ـ خاصة آخر عمره ـ جولات وجولات أَثْرت الأدب وفاخرت بالإسلام. توفي عام 1990م.
وللشاعر الفذ عمر أبو ريشه قصيدتان رائعتان في مدح رسول الله r الذي أخذ بلب الشاعر وملك مشاعره.
وعوضاً عن الغزل المعهود في شعر العرب، أو ندب الأطلال والوقوف على الآثار، يختار لاشاعر أبو ريشه أن يخاطب رمال الصحراء في مطلع قصيدته الأولى قائلاً:
يا رملُ ما تعبَ الحادي ولا سَئِما ولا شَكَا في غِواياتِ السرابِ ظَمَا
على وُجومِكَ من نجواه أَخْيِلَةُُ شَقَّ الفُتونُ بها أكمامَه ونَمَا
كأَنّما من وراءِ الغيبِ هاجسهٌ فَضَّتْ على سمعِه السرَ الذي كتما
فَرَنَّحَ الكونَ في لألاءِ أغنيةٍ عَذراءَ ما عَرَفَت أَرْضاً لها وَسَمَا
مرتْ طُيوفاً على الدنيا فَمَا غَمَسَتْ فيها جَناحاً ولا جرَّتْ بها قَدَما
حتى إذا طالعتْها مكةُ اختَلَجتْ شوقاً وسالتْ على أَجْوائها نِعَما
فلاحَ أحمُد في أعراسِ دعوتهِ يُسلسلُ الوحيَ إنْ صَمْتاً وإنْ كَلِمَا
ويسحب المرْوَد الأَسنى على مُقَلٍ ما زادها النور إلا ضِلّةً وعمى
هناءةٌ شَقِيتْ هُوْجُ النفوسُ بها فَعَرْبَدَتْ صَلَفاً واستكبرت شَمَمَا
فأرسل (أي رسول الله) الصرخةَ الزهراءَ فانطلقتْ كتائبُ الله تِرعى البيتَ والحرما
فما هوى صارمٌ إلا رمى عُنقاً ولا هوى معْول إلا رَمَى صَنما
ولا بدتْ سدةٌ إلا تسنَّمها مؤذنٌ لم يَدَعْ في مَسْمَع صَمما
فتابَ من لم يكنْ باللهِ معتقدا وثابَ من لم يكنْْ باللهِ معتصِما
فأقبلتْ سرواتُ العربِ خاشعةَ تجلو بإيمانها عن دينِها التُّهما
وتحملُ الشهبَ في راحاتِها قضبا والخيلُ تعِلكُ في أََشداقِها اللُّجُما
وأحمدٌ يتلقاها وبَسْمَتُه تردَّ كل فمٍ للمجدِ مبتسما
والفتحُ يَغْمٌزها حتى إذا وثبتْ لم تُبقِ في الشرك لا عُرباً ولا عَجَما
فَرَفّ في كل مَجْلىً للهدى علمٌ يَظَل في كل مجلى للفدا عَلَما
فازّينت بالبُناةِ الزُّهرِ مَمْلكةٌ العدلُ ما شادَها، والحقُّ ما دَعَما
كمْ طوقتْ شِيَع الدنيا بكعبتِها وهزتِ الشمسُ عن هاماتهم عَمماً
نعم أضاءتْ على الأيامِ وانطفأتْ فياليالي ادفقي من بعدها ظُلَما
ويا جُدوداً غَواها الزهو وافتتنتْ أَعطيتِه من بقايا الإرثِ ما عَظُما
وّلاكِ أحمدُ من آياتِه سُنَنا فما رعيتِ لها عَهْداً ولا ذمَما
المجدُ في النفسِ لا يَشفى له نَهَم لو لم يَجُعْ فوق نهديها لَمَا فُطِما
ويا نَجياً على التذكارِ مُنْسَرباً هل من ضِمادٍ ويردُ الجرح مُلتِئما
يا رملُ رجّع حداءً في مَسامعنا هل حُمِّل الركبُ بُشراه وما عَلما
قيثارةُ الوحيِ لم تَجرح لها وَتَراً أيدي الليالي، ولم تَحبِس لها نَغَما
أَمِنْ سنا أحمدٍ حر ستطلِعُه وتُطلُع المجدَ في بُرْديه مُضْطِرما
فُيرجعُ الأرضَ رَياً بعدما يَبِستْ ويَمتطي الدهر غضاً بعدما هَرِما
أيُّ نجوى مُخْضلَّة النعماء ِ ردَّدتْها حناجر الصحراء
سَمِعتْها قريشُ فانتفضتْ غَضْبى وضَجّتْ مَشْبُوبةً الأهواءِ
ومشتْ في حِمى الضلالِ إلى الكعبةِ مَشْي الطريدة الَبلْهاءِ
وارتمت خشعةً على اللات والعزى، وهزتْ ركنيهما بالدعاءِ
وبدتْ تَنْحر القرابينَ نَحْراً في هوى كلِ دميةٍ صَماءِ
عربدي يا قريش وانغمسي ما شئتِ في حَمْأة المُنى النكراءِ
لن تُزيلي ما خَطّه اللهُ للأرضِ وما صاغَه لها من هَناءِ
شاءَ أن يُنبتَ النبوة في القفرِ ويُلقي بالوحي من سَيناءِ
هو ذا أحمدٌ فيا منكبَ الغبراءِ زاحم مَنكبَ الجوَزاءِ
بَسَمَ الطفل للحياةِ وفي جَنْبيه سرُّ الوديعة الصَّماءِ
هبَّ من مهده، ودبَّ غريبَ الدارِ في ظِلّ خيمةٍ دَكْناءِ
تَتَبارى حليمة خَلْفه تَعْدو وفي ثغرِها افترارُ رِضاءِ
عرفتْ عنه طَلْعَة اليُمن والخيرِ إذا أجدبتْ رُبى البيَداءِ
وتجلّى لها الفراق فأغفت في ذُهولِ وأَجهشتْ بالبكاءِ
عادَ للربع أينَ آمنةٌ والحب والشوق في مجال اللقاء
ما ارتوتْ منه مُقْلةٌ طالما شَقّتْ عليه ستائرَ الظلماءِ
يا اعتدادَ الأيتامِ باليتمِ كَفْكِفْ بعده كلَ دمعةٍ خَرْساءِ
أحمدٌ شبَّ يا قريشُ فتيهي في الغِواياتِ واسْرحي في الشقاءِ
وانفُضي الكفَّ من فتى ما تَرَدى بِرداءِ الأجدادِ والآباءِ
أنتِ سميتِه الأمينَ وضَمَّخْتِ بذكراه ندوةَ الشعراءِ
فدعي عمه فما كان يُغريه بما في يديك من إغراءِ
جاءه متعبَ الخُطى شارَد الآمالِ ما بين خيبةٍ ورجاءِ
قال : هوّنْ عنك الأسى يا ابن عبدِالله واحقِنْ لنا كريمَ الدماءِ
لا تسفّه دنيا قريشٍ تبوئك ذُروةَ العلياءِ
فَبَكى أحمدٌ وما كان مَنْ يبكي ولكنّها دموعُ الإباءِ
فَلَوى جيَدة وسارَ وئيدا ثابتَ العزمِ مُثْقَلَ الأعباءِ
وأَتى طودَه الموشَّحَ بالنورِ وأَغفى في ظِلِ غارِ حراءِ
وبجفنيه من جلالِ أَمانيه طيوفٌ علويةُ الإسراءِ…
وإذا هاتفٌ يصيحُ به اقرأ فيدوي الوجودُ بالأصداءِ
وإذا في خُشوعه ذلك الأميُّ يَتلو رسالةَ الإيحاءِ
وإذا الأرضُ والسماءُ شِفاهٌ تَتَغَنّى بسيدِ الأنبياءِ
جمعتْ شملَها قريشٌ وسلّتْ للأذى كُلَّ صَعدةٍ سمراءِ
وأرادتْ أن تُنفذ البغيَ من أحمدٍ في جُنحِ ليلةٍ ليلاءِ
ودَرَى سرَّها الرهيب عليٌ فاشْتهى لو يكونُ كبشَ الفِداءِ
قال : يا خاتمَ النبيينَ أمستْ مكةٌ دارَ طُغمةِ سُفهاءِ
أَنا باقٍ هنا ولستُ أُبالي ما ألاقي من كَيدها في البقاءِ
سَيَرَوني على فِراشِك والسيفُ أمامي وكلُ دنيا ورائي
حسبي اللهُ في دروبِ رضاه أنْ يَرَى فيَّ أولَ الشهداءِ
فَتَلقاه أحمُدُ باسمَ الثغرِ عَليماً بما انْطَوى في الخَفاءِ…
وهكذا تبدأ هجرة الحبيب وتتطاول بيوت المدينة رويداً رويداً ترنو بأبصارها إليه يقول أبو ريشه :
أَمَرَ الوحيُ أن يَحُثَّ خُطاهُ في الدُّجى للمدينةِ الزهراءِ
وَسَرى واقْتفى سَرَاه أبو بكر وغابا عن أعينِ الرقباءِ
وأَقامَا في الغارِ والملأُ العلويُ يَرنْو إليهما بالرِّعاءِ
وقفتْ دونَه قريش حَيارى وتَنَزّتْ جريحةَ الكبرياءِ
وانثنتْ والرياحُ تجأرُ والرملُ نَثيرٌ في الأوجهِ الرَّبداءِ
هَلّلي يا رُبى المدينةِ واهْمِي بسَخِيٌ الأَظلالِ والأَنداءِ
واقْذِفيها : اللهُ اكبرُ حتى يَنتشي كلُّ كوكبٍ وَضّاءِ
واجْمعي الأوفياءَ إنَّ رسو لَ اللهِ آتٍ لصحبِهِ الأوفياءِ…
وهناك في المدينة يشتد عود الدعوة، ويعلو صوت التوحيد، ويقوى ساعد المؤمنين . . . هكذا يترنم أبو ريشه بملحمة السيرة النبوية فيتابع تغريده :
وأطلَّ النبيُ فَيضاً من الرَّحمةِ يَروي الظِّماءَ تلوَ الظِّماءِ
والصلاةُ الطهورُ عاليةُ الأصداءِ جَوّابة بكلِ فَضَاءِ
هَزّتْ الجاهليَ فاهتزَّ إنساناً نَجِيَّ الرسالةِ العذراءِ
وقريشُ في يَقظة الحِقدِ وَهّجٌ من عنادٍ ولفحةٌ من عَداءِ
كلما مرَّ مؤمنٌ بحِماها قَذَفَتْه بطعنةٍ نجلاءِ
خِسّةٌ تترك المروءَة غَضْبى وتردُّ الحُلوم صرعى حَياءِ
ضاقَ ذرعاً بها النبيُّ فنادى فإذا الصافِنات رَجْعُ النداءِ
وإذا الصيدُ فوقها يحملونَ الشُّهبَ أسيافَ نخوةٍ شَمّاءِ
وتَخَطّاهمُ النبيُ فساروا في ركابِ الهدى إلى الهَيْجاءِ
لم يَرُقْه سفكُ الدماءِ ولكن عَجَزَ الحِلم في انتزاعِ الداءِ
دَرَنُ النفسِ ليس يُمْحَي إذا لم تجرِ فيه مَبَاضِعُ الحُكماءِ
<span lang="AR-SA" style="mso-bidi-language: AR-SA; mso-
وهنا يصل أبو ريشة في ملحمته عن النبي r إلى بداية ترنيمات الوحي ونداءاته، ونزوله وإشراقاته، يقول عن هذه المرحلة وما تبعها من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ثم تكذيب قريش فهجرته من مكة ولحوقه بالمدينة :
ثم يلتفت الشاعر الفذ أبو ريشة بأبياته المصورة السلسة، يرسم لنا ولادة رسول الله r ويتمه وطفولته وكفالة عمه أبي طالب له يقول:
أما القصيدة الثانية في ديوان الشاعر البارع عمر أبو ريشه فهي قصيدة (محمد) r وقد أشار إلى مضمونها العام في ديوانية بقوله: مقدمة ملحمة النبي… وهي قصيدة همزية تبلغ مئة بيت كاملةً، يبدؤها بخطاب قريش مصوراً ضلالها وصَلَفها بكل وضوح ودقة:
وبعد ذلك يشير أبو ريشه إلى نجاحه r وارتفاع كعبه:
ثم يتابع أبو ريشه غناءه حول رسول الله والافتخار به وامتداح صبره وجهاده:
الصفحة السابقة