الشيخ أحمد الكردي
1880 ـ 1953 م

لا تزال حلب ـ المدينة العريقة ـ تحتفظ في ذاكرة كثير من رجالها المسنين بذكريات طيبة عن رجل من أعظم رجالها علماً وتقوى وفضلاً... إنه الشيخ الكبير أحمد بن عسّاف الكردي... مفتي حلب وفقيهها الشهير.
ولد في قرية تَلْعَرَن من قرى حلب عام 1880م في أسرة من أشرف الأسر في القرية، وكان والده من حفّاظ القرآن الكريم ومن الأتقياء الصالحين، وقد عمّر مئة عام ونيّف.
وقد حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ الكتابة الحساب في كتّاب القرية، وعندما تجاوز العاشرة من العمر نزل به والده إلى مدينة حلب لتلقي العلم فيها، وذلك بناء على وصية من شيخه في القرية.
انتسب إلى المدرسة الرضائية التي يضمها جامع العثمانية، وهي من أهم وأشهر مدارس حلب الشرعية في ذلك الوقت، وكانت تضم ـ بحسب شرط واقفها ـ ثلاثين طالباً يدرسون فيها العمر كله وخمسة مدرسين، وكلما توفي واحد منهم استبدل به غيره، وكان القائمون على هذه المدرسة يقدمون للطلاب الطعام والشراب وكل النفقات على حساب الواقف رحمه الله تعالى، وكان مبيت الطلاب فيها إجبارياً بالليل، إلا المتزوجين فيسمح لهم بالمبيت في بيوتهم ليلتين في كل أسبوع، وبقي على ذلك حتى توفى أحد مدرسي المدرسة، فعُيّن هو بدلاً منه بعد اختبار تحريري نجح فيه، وكان الأول على أقرانه.
وقد درس على مدرسي المدرسة العثمانية ومنهم الشيخ بشير الألاجاتي الشهير بالغزي وكان كثير الشغف به، والشيخ حسين الكردي وكان من كبار فقهاء الحنفية يومها، كما درس على غيرهما من شيوخ المدارس الشرعية الأخرى الكثيرة في حلب يومذاك كالمدرسة الأحمدية والحلوية.
كان طويل القامة ومستقيمها، قوي البنية والساعدين، ما غالبه أحد من أقرانه إلا غلبه، كما كان قوي الإرادة، صريحاً في رأيه، شجاعاً في إظهار آرائه والدفاع عنها، هادئ النفس، يحب العلماء وطلاب العلم، وينظر إليهم نظرته لابنه الوحيد، ويمدهم بعلمه وماله، ويرعى شؤونهم وكانوا يبادلونه المحبة.
وكان صادق الكلمة وفياً بمواعيده بدقة متناهية، جريئاً في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، يغضب إذا انتهكت حرمات الله تعالى أشد الغضب، ونادراً ما غضب لغير ذلك، يحب الأطفال ويمسح على رؤوسهم، ويؤنسهم ويضمهم إلى صدره، ويغدق عليهم الهدايا والعطاء، سواء أكانوا أقرباء له أم من الغرباء، ويكرم الجيران كثيراً، ويصل الأرحام، حتى اشتهر بذلك، وكان مضيافاً وكريماً حتى في أوقات الضيق والشدة، ومنها الشدائد التي مر بها أهل حلب في أعقاب الحرب العالمية الأولى.
كان شغوفاً جداً بالعلم دراسة وتدريساً، وكان محباً للكتاب ولا يتركه ليل نهار حتى وفاته، وقد توفي رحمه الله تعالى والكتاب على صدره، وقد ضمت مكتبته نفائس كتب الفقه، وأصول الفقه، والعربية، والمنطق، والتفسير، والحديث.
وكان يقضي وقته كله في دراسة كتاب أو تدريسه، أو الجلوس إلى الفتوى وجل مشكلات السائلين، الذين يفدون إليه طيلة اليوم، حتى ذاع صيته، وقصده أصحاب الحاجات من كل مكان من في سوريا، بل إن بعضهم كان لا يرضى إلا بسؤاله دون غيره من العلماء، وكانت فتواه إذا أصدرها تنفذ على كل من تصل إليه من مسؤولين أو شرطة أو غيرهم، وهذه الفتاوى كلها مسجلة عند حفيده الدكتور أحمد الحجي الكردي ومعزوة إلى مصادرها في كتب الفقه بدقة، وهي تشمل روح العصر الذي عاشه، ويتمنى المرء أن ترتب وتطبع وتنشر.
وكان أهم ما تخصص به من العلوم الشرعية: الفقه الحنفي وأصول الفقه والمنطق والنحو، فقد برز فيها وسبق أقرانه.
ـ أول عمل رسمي شغله كان مدرساً للعلوم العربية والإسلامية في دار المعلمين بحلب.
ـ ثم ولي التدريس في المدرسة الرضائية (العثمانية) وفي في ذلك حتى وفاته.
ـ ولقد ولي أمانة الفتوى بحلب مدة تزيد على ثلاثين سنة، وكان فيها المرجع الوحيد للفتوى لكل السائلين في محافظة حلب طيلة تلك المدة.
ـ ثم ولي الإفتاء وعين مفتياً بناءً على انتخاب نجح فيه من قبل علماء حلب عام 1950م وبقي كذلك حتى وفاته.
ـ وقد ولي التدريس في المدرسة الإسماعيلية مدة تزيد على خمس وعشرين سنة كان يدرس فيها الفقه والنحو، ثم حل محله فيها بعد تنازله عنها ابنه الوحيد الشيخ محمد مهدي الكردي بناءً على مسابقة تحريرية أجريت لذلك ونجح فيها.
ـ كما ولي التدريس في المدرسة الخسروية فور إنشائها عام (1922م) وبقي فيها حتى عام (1945م) حيث بدلت مناهجها الشرعية مسخت فتركها.
تزوج رحمه في حلب من فتاة من آل كرزون اسمها عائشة، بعد أن بلغ الثلاثين من العمر، وكانت فتاة صالحة... تقية من أسرة كريمة عاش معها حياته في سعادة ويمن، وأنجبت له بنتاً وحيدة هي فاطمة، وابناً وحيداً اسمه محمد المهدي، أما الابنة فلم تتزوج وبقيت عزباء، وأما الابن فقد تزوج وأنجب ثلاثة عشر ولداً.
وكان في بيته هيناً ليناً، يدخل إليه عائداً من عمله قبل المغرب بساعة أو ساعتين، فيسلم على أهله ثم يخلع ثيابه ويتناول عشاءه، وهو الوجبة الرئيسية عنده، مع أفراد أسرته المؤلفة من زوجته وبنته وابنه وأولاد ابنه، وكان يصر على عدم تناول عشائه إلا إذا اجتمعوا.
ثم يقوم لصلاة المغرب ثم يجلس لمحادثتهم، فإذا صلى العشاء أوى إلى فراشه مبكراً، إلا أنه في كل ذلك لا ينسى كتابه الذي في يمينه ينظر إليه بين الفنية والفنية.
وكان رحمه الله تعالى يرعى شؤون أسرته بدقة، وكان يخدم نفسه في منزله ما أمكن، ولا يستخدم أحداً من أفراد أسرته.
وكان كثير الصمت والتأمل قليل الكلام إلا في أمر علمي يسأل عنه، وكان كل جلسائه تقريباً من أهل علماء أو طلاباً، ونادراً ما يجالس أحداً غيرهم، هذا بالإضافة إلى تصديه للفتوى وحل مشكلات السائلين.
كان رحمه الله يتعبد الله تعالى أولاً بالعلم، وبعده أفضل العبادات والقربات بعد أداء الفروض والواجبات والسنن، وكان منتسباً إلى الطريقة النقشبندية ملتزماً لها، وكان كثير الذكر لله تعالى عقب الصلوات، فكان يجلس عقب كل صلاة باتجاه القبلة ساعة من الزمن أو أقل من ذلك قليلاً، يتلو فيها ما يروق له من القرآن والذكر سراً.
يقول حفيده الدكتور أحمد الحجي الكردي: أخبرني أحد طلابه أنه رآه مرة يطوف حول الكعبة وهو يردد متن الألفية لابن مالك عن ظهر غيب، فسأله عن ذلك فقال: إنني أتعبد الله تعالى بها، لأنها في نظري نوع من الذكر، وكان يحفظ مجموعة المتون كلها ويرددها في أوقات فراغه بانتظام لكيلا ينساها.
وقد تخرج به أفواج كثيرة من الطلاب في حلب على مدى أربعين عاماً تصدى فيها للتدريس، حتى أصبح جلهم من أئمة العلم والمعرفة في حلب، فما من عالم أو طالب علم في حلب في تلك المدة إلا وقد درس عليه وأخذ عنه، ومن أشهرهم تلامذته:
الدكتور معروف الدواليبي، والأستاذ مصطفى أحمد الزرقاء، والأستاذ صبحي الصباغ، والأستاذ عبدالوهاب سكر، والدكتور محمد فوزي فيض الله، والأستاذ عبدالفتاح أبوغدة.
لم يترك رحمه الله تعالى مؤلفاً واحداً، وعندما طلب منه أحد الأصدقاء أن يكتب كتاباً في أصول الفقه بكى وقال:
ـ وهل أتقن الطلاب ما كتب حتى يحتاجوا إليّ في الكتابة، إلا أن له تعلقيات هامة على كتبه التي تضمنها مكتبته القيمة وهي عند حفيده كلها بحمد الله تعالى.
لقد كان قوي البنية جريئاً في الحق، مقاوماً للظلم والظالمين، وكان له مواقف مع مندوبي الاستعمار في سوريا هدد فيها بالقتل، بل إنهم أطلقوا عليه النار مرة فلم يصيبوه بأذى، ومع ذلك لم يغير شيئاً من موقفه ومعارضته لهم، وقد كان له مواقف جرئية مشرفة عندما كان رئيساً لمجلس الأوقاف في حلب، دفاعاً عن مال الأوقاف وحماية له، يحفظ له تلك المواقف كل من عرفه ويكبره بها.
كان يردد الكثير من الحكم في مجلسه في بيته أو بين طلابه، ومن ذلك:
ـ لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد.
ـ اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم.
ـ اقتصدوا واجعلوا الرأس رأسين.
ـ هل تنصرون إلا بضعفائكم.
توفي رحمه الله تعالى بعد مرض استمر به سنتين تقريباً، وكان مرضاً شديداً، وقد توفي في داره في حي البياضة بمدينة حلب في عام 1953م ودفن في مقبرة (كرز داده) في حي قاضي عسكر بحلب، وقد شيّعه كل علماء حلب والآلاف المؤلفة من أبنائها، كما قدم لتشييعه المئات من العلماء ومحبوه من شتى أنحاء سورية، وقد نيف عدد المشعين على عشرين ألفاً كما ذكر الكثيرون من الصحفيين، الذين نشروا أنباء نعيه يومها.
وعند تشييعه لم يحمل نعشه ولم يشارك في حمله من منزله إلى المقبرة إلا عالم متعمم، وقد صُلّي عليه في جامع بانقوسا، وكان الإمام ابنه الوحيد الشيخ محمد المهدي الكردي، وقد خطب على قبره عدد من طلابه فبكوا وأبكوا كل الحاضرين، منهم الشيخ عبدالفتاح أبوغدة والشيخ محمد الحكيم.
أهم ما تخصص فيه من العلم هو الفقه الحنفي، وأصول الفقه، والمنطق، والنحو، وقد درّس هذه العلوم سنين طويلة.
رحمه الله رحمة واسعة، وأجزل مثوبته.
نقلا عن حفيده فضيلة الدكتور أحمد الكردي
الشيخ عبد الله نجيب سالم
تخصصه العلمي:
وفاته:
من كلماته المأثورة:
مواقف بارزة في حياته:
مؤلفاته:
طلاب كثيرون كلهم أعلام
عابد عالم... واعٍ
سيرته في بيته
الوظائف التي تقلب فيها
ولع بالعلم... وخدمة العامة
صفاته الخلقية والخُلُقية
بداية قوية... وهمة عالية
الصفحة السابقة