

لبعض الرجال آثار لا تمحي بعد وفاتهم، فقد كانوا في حياتهم رموزاً للخير وسبلاً للهدى وإماماً للمتقين... ومن هؤلاء الأفذاذ القلة رجل أريحا وعلمها البارز على مدى سنين طويلة... إنه الشيخ نجيب بن أحمد ابن عبدالقادر سالم....
الشيخ نجيب بن أحمد سالم
وأريحا التي ولد وعاش وتوفي فيها الشيخ نجيب رحمه الله ليست تلك البلدة الفلسطينية الشهيرة على كل لسان ـ وخاصة في هذه الأيام ـ بل هي بلدة صغيرة جميلة، ترض على سفح جبل الزاوية (أو جبل الأربعين) إلى الغرب من حلب على طريق جسر الشغور واللاذقية، حيث تتمتع (أريحا) هذه بالجو اللطيف والنسمات العليلة وزهور الكرز والمحلب وثمار المشمش والعنب، وإذا قدر لك أن ترتقي صخور الجبل العالية وهضابه فستطل على أروع مناظر الطبيعة الخلابة وأحلى مغانيها.
أسرة طيبة... ونشأة صالحة
ولد الشيخ نجيب سالم في أريحا عام 1917م في أسرة عرف عنها الصلاح والتقى، وكان فيها بعض العلماء... إلا أن والده أحمد سالم لا يعرف عن سيرته الشيء الكثير، سوى أنه كان رجلاً عادياً سيق إلى الحرب العالمية الأولى (المعروفة باسم سفر برلك) حيث قضى فيها مع عشرات الألوف غيره في الوقت الذي كان ولده (نجيب) لا يزال في المهد طفلاً لا يعرف من الدنيا شيئاً، وقد عكفت على تربيته أمه السيدة موسى وكانت امرأة جيدة عاقلة.
وتولى أمره في صغره عمه زوج أمه إحسان الله سالم، فوجهه إلى العمل معه في مهنته (الإسكاف) وهي مهنة صنع الأحذية لأهل الأرياف... وكان يتوقع له أن يصبح صانع أحذية ماهراً لولا لطف الله سبحانه، فقد زرع في قلبه حب العلم والتوجه إليه، فكان لتعلقه بأهل العلم من رجال بلده الصغير يحفظ بعض المتون الصغيرة كالآجرومية ـ في علم النحو ـ وهو في الدكان، ويغافل عمه لمراجعة بعض كلماتها وفصولها... ولما عرف عنه ذلك أشار عليه عمه مؤذن بلدة أريحا الحاج خيرو راغب ـ وهو من صلحائها ـ أن يرسله إلى بلد العلم والعلماء حلب ليطلب العلم على رجالها وفي مدارسها، خاصة وان بعض أبناء أريحا سبق لهم أن درسوا في مدرسة الخسروية في حلب، وأصبحوا معروفين فيها.
الرحلة في طلب العلم
وهكذا قدر لهذا الطفل اليتيم أن يرحل إلى حلب وهو في حداثة سنه، لينتسب إلى المدرسة الشرعية الرائدة، والتي كانت تعرف بنسبتها إلى بانيها خسرو باشا (الخسروية) وفيها التقى بكبار مشايخه وتلقى عنهم العلوم الدينية... وكان من هؤلاء الأساتذة مدير المدرسة المؤرخ العلامة راغب الطباخ الذي أحبه لاجتهاده حباً جماً، وخصه بمزيد من العناية والرعاية، حتى سماه تكريماً له محمد نجيب سالم بدلاً من نجيب سالم، ومن أساتذته أيضاً الشيخ الجامع أمين الله عيروض، والشيخ الفقيه الشافعي إبراهيم السلقيني الكبير، والشيخ أسعد عبه جي مفتي حلب، والشيخ مصطفى الزرقاء والشيخ محمد الحكيم والشيخ عبدالله حماد.
وخلال دراسته في الخسروية كان مثال الجد والحزم، فلم يكن يضيع وقته، لا صيفاً عند عطلة الدراسة، ولا شتاء أثناء انتظام الدوام، بل كان منصرفاً بكليته لطلب العلم والنهل من موارده.... وإذا كان قد تلقى في دراسته الفقه الشافعي فأتقنه، فإنه رأى بعد انتهاء سنوات الدراسة في الخسروية حاجة في نفسه إلى الفقه الحنفي، فمكث زيادة على سني الدراسة سنتين أخريين في مدينة حلب، يتلقى فيهما الفقه الحنفي على أستاذه الفذ الشيخ مصطفى الزرقا... كما أتقن النحو والصرف إتقاناً ظاهراً، وكان في أصول الفقه ملفتاً للنظر، وفي الحديث من المبرزين.
وفي حلب تعرف على كثير من علمائها الأجلال أمثال الشيخ أبي النصر خلف المرشد المربي، والشيخ محمد النبهان الإمام الفريد من نوعه، والشيخ محمد الهاشمي أستاذ العارفين بالله.
ومما يذكر أنه كان الناجح الأول على دفعته في المدرسة الخسروية، كما كان مواظباً على العبادة والذكر وقراءة الأوراد خلال تلك الفترة، حتى امتلأ قلبه علماً وذكراً، وفكراً وتقوى.
ولما بلغ أشده واستوى عاد إلى بلده ومسقط رأسه (أريحا) حاملاً معه علمه وكتبه وهمته، لتبدأ المرحلة العملية في حياته.
زواج مبارك... وحياة عملية
وقد تزوج أول الأمر من فتاة صالحة من قريباته اسمها خديجة سالم فأنجبت له بنتين ووليدن... ولم يطل مقامها معه بل توفاها الله إلى رحمته وهي في ريعان الصبا، بعد وفاة ولديها بقليل، فتزوج الشيخ نجيب سالم بعدها بأختها المرأة الصالحة الشهيرة عائشة سالم، التي أنجبت له خمسة أبناء وبنتاً... وكانت خير عون له في حياته كلها.
وفي أريحا ومنذ عودته بدأ في إصلاح أحوال الناس وتعليمهم، من خلال دروسه ومجالسه التي استمرت طويلاً في جامع التكية أولاً، ثم في الجامع الكبير في أريحا الذي تولى إمامته وخطبته بعد اعتزال الشيخ عمر شريف لكبر سنه.
وقد امتازت دروسه بالتأثير الشديد في الحضور، لما كان يلقي عليهم من مواعظ مؤثرة يملؤها بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي ترقق القلوب، ثم يعرج بعد ذلك على قصص الصالحين وآثارهم، فما يترك مستمعيه إلا وقد عقدوا العزم على ترك المنكرات، والإقلاع عن الذنوب، والإقبال على الله سراً وعلناً.
هادئ حيي... وخطيب مجلجل
وكان رحمه الله تغلب عليه صفة اللطف والحياء والسهولة، إلا إذا علم بمنكر لم يغير، أو بظالم قد تطاول، أو بفساد بدأ يستشري، فعند ذلك تسمع منه على المنبر الخطب الهادرة بالألفاظ القارعة والإنفعال الشديد... كان مما يكثر من ترداده في خطبه: الله الله يا قوم... الله الله في أنفسكم... الله الله في نسائكم وأولادكم... الله الله في دينكم وأعراضكم...
ولم يكن منعزلاً أو منزوياً في مسجده يعلم ويدرس فقط بل كان ذا منهج إصلاحي اجتماعي واقعي... شارك في تاسيس جمعية النهضة الإسلامية في أريحا للقيام بدور اجتماعي ديني بخاصة تجاه الأسر الفقيرة والمحتاجة... كما كان رأساً في كل لجنة لبناء مسجد أو إصلاح بين الناس أو أي مشروع لصالح منطقته كلها، حتى تألفت حوله القلوب، وانعقدت على حبه النفوس، فكانت وفود القرويين لا تنقطع في بيته أو متجره ـ فقد اشتغل بالتجارة ليكف نفسه عن الحاجة إلى الناس، وليسد جزءاً من التزاماته التطوعية تجاه العديد من الجمعيات الخيرية ـ وكانت هذه الوفود لا ترضى بغيره بديلاً، ولا تثق بسواه حكماً... فكم من مرة قضى الليل كله في الإصلاح بين المتخاصمين، وكم من ساعات طوال مرت عليه وهو يفتي الناس ويجيب على أسئلتهم، سواء في الشارع أو المسجد أو على باب دكان بعض أصحابه، حتى كان من النادر أن تراه يمشي وحيداً أو يجلس فريداً، أو تمضي عليه مدة دون مستفت مستنصح... وهو في ذلك هادئ لا يثور، صبور لا يمل، حليم لا يجهل، يتفهم القضايا ويحل المعضلات.
زعامة وكرم واطلاع
وقد بلغ حب أهل أريحا له مبلغاً عجيباً، حتى إنهم انتخبوه نائباً عنهم في الاتحاد القومي أيام الوحدة بين سوريا ومصر، إلا أنه اعتزل العمل السياسي إيماناً منه بشرف العمل الديني والاجتماعي الذي هو فيه، وضرورة أن لا يلوث نفسه بشيء من أحابيل السياسة.
وكان الشيخ نجيب سالم رحمه الله كريماً من الكرام المعدودين، حتى اشتهرت بلدته أريحا بين العلماء والصالحين وكثير من الوجهاء بسبب استضافته لهم وفرحه بحضورهم، وسرورهم البالغ عنده، فقد كان مرحاً مع ضيوفه، بشوشاً حتى في أحلك الأحوال والظروف... بل إذا أحس بحاجة ضيفه وفاقته دس له في ثيابه بعض المال عند انصرافه بصورة لا يحس بها الضيف إلا بعد وداعه وذهابه.
وعلى الرغم من انشغاله في كثير من الأقوات مع الناس تعليماً وإصلاحاً وإفتاء، فإنه لم يكن يغفل عن مطالعة مسائل العلم ومتابعة القراءة في الكتب التي تصدر في حينها، فكان من ديدنه أن يداوم على القراءة حتى تغفو عينه فينام والكتاب فوق صدره خير شاهد على أنه أحب حبيب وأقرب قريب.
وخلال حياته في أريحا قام بمفرده بمحاولتين لإنشاء مدرسة شرعية في مدرسة التكية القديمة، التي كانت في الأصل قديماً مدرسة شرعية هجرت... وقد بذل من ماله ووقته الشيء الكثير في سبيل ذلك... وإذا كانت المحاولتان لم تكتملا، أو لم تستمرا أكثر من سنوات قليلة معدودة إلا أنهما كانتا ؤثرتين في إنجاب بعض الشباب الجيد المثابر، الذي تابع الشيخ في دروسه وحلقاته، حتى أصبح من خيرة الشباب ديناً وعلماً وورعاً... وحتى غدت أريحا بلدة لا تجد فيها فساداً ظاهراً أو فكراً منحرفاً أو معصية من المعاصي التي يتجاهر بها أربابها، كشرب الخمور أو السفور الفاضح أو الأحزاب العقائدية الضالة.
التقرب إلى الجيران والبحث عن الحلال
وكان رحمه الله في بيته ودوداً صموتاً سهلاً سمحاً بشوشاً، بما تيسر، ولا يأنف من طعام، ولا يترك قيام الليل لا هو ولا زوجته الصالحة عائشة... كثير الإحسان إلى جيرانه الفقراء، متفقداً لأحوالهم، يرسل إليهم من طعام أهله قبل أن يبدأ بالأكل منه هو وأولاده... كما كان متابعاً لشئون أولاده حريصاً على دينهم وأخلاقهم، حتى أكرمه الله بذرية صالحة، كما كان باراً بأمه وأخواته وإخوته عموماً.
وعرف عن الشيخ نجيب ورعه ما استطاع إلى الحلال سبيلاً، فكان يؤثر جانب السلامة في دينه، ويرجح كفة آخرته، ويضحي بكثير من دنياه إذا اشتبه عليه حلالها بحرامها... كان رضوان الله أحب شيء إليه، وكم من مرة ترك منازعة الناس في دنياهم ـ حتى وإن كان صاحب حق ـ خشية أن يكون من المتهالكين على الدنيا المنافسين لأهلها عليها.
وقد أمضى أخريات حياته رحمه الله في تفسير القرآن الكريم في المسجد الكبير في أريحا ـ وكان درسه في حاشداً ـ فكان بعد صلاة الفجر يجلس قليلاً لتلاوة بعض التسابيح والاستغفار والتهليل، ثم يلتف حوله تلاميذه وأحبابه، فيشرع في القراءة والشرح والتوضيح حتى ختم التفسير أكثر من مرة...
يا أيتها النفس المطمئنة...
واستمر كذلك إلى آخر يوم في حياته عنما توفي عام 1974م عن عمر يناهز 57 سنة، فقد قرأ درسه صبيحة ذلك اليوم كعادته إلى ما بعد طلوع الشمس بقليل حيث صلى الضحى، ثم دخل إلى بيته فتناول شيئاً بسيطاً من الطعام، ثم خرج إلى السوق لشراء بعض حاجات أهله، فما أن وصل إلى دكان لحام من تلاميذه، حتى أحس بدوار كاد يسقط منه، إلا أن صاحب الدكان احتضنه وحمله مع بعض جيرانه إلى بيته، حيث غاب الشيخ نجيب عن وعيه، وتوفي رحمه الله في نفس اليوم بعد العصر بقليل.
وقد صدمت بلدة أريحا ومنطقتها وكل من عرف الشيخ بنبأ موته، وتجمهر الألوف حول نعشه وهم باكون الهون، وأقاموا إياماً يتلقون العزاء من أطراف أريحا وقراها، وكأن فاجعة عامة ألمت بالمسلمين، فأبكت عيونهم وأدمت قلوبهم وجللت رجالهم ونساءهم بالحزن.
رحم الله الشيخ نجيب سالم... وبارك له في عمله.
وأخيراً:
ففي ختام (رجال من حضارتنا الإسلامية) أجد من الواجب علي أن أشير إلى نقطة مهمة جداً وهي: أن هؤلاء الرجال الأفذاذ، والأعلام المشاهير والعلماء العاملين، لم يكونوا سوى نماذج وعينات اخترتها دون ترتيب زمني، أو تسلسل علمي، أو تفضيل لواحد على واحد، أو لمتأخر على متقدم، بل حاولت أن أجمع سيرة ثلة من الأفاضل وكوكبة من الأماجد، لكل واحد منهم فضيلة خاصة، وميزة فريدة، استحق بها أن ننوه إلى مقامه ومنزلته، في عجالة من الوقت عابرة.
ويستطيع القارئ الكريم أن يقف على سيرة أعلام آخرين يعدون بالآلاف، ولا يقلون عمن ذكرناه فضلاً ومنزلة، وذلك بالرجوع إلى كتب الأعلام وتراجم الرجال، الذين أصبح الحديث عنهم وتسطير صفحات حياتهم علماً خاصاً بالأمة الإسلامية، لم تنافسها فيه أمة أخرى على الإطلاق.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن كتاب "البداية والنهاية" لابن كثير وكتاب "سير أعلام النبلاء" للذهبي وكتاب "وفيات الأعيان" لابن خلكان وكتاب "الأعلام للزركلي تضع بين يدي طالب طالب العلم والراغب في المعرفة سيرة كثير من الرجال، بل والنساء أيضاً، يرفع المرء رأسه بهم ويشمخ فخراً وتيهاً بذكرهم.
أولئك آبـائـي فـجـئني بمـثـلهـم
إذا جمعـتـنا يا جـريـر المـجـامع
ختاماً:
أسأل الله سبحانه أن ينفعنا برجال أمتنا، وأن يلهمنا الاقتداء بهم، وإثراء الحضارة مثلهم، وأن يحشرنا مع الصالحين في فراديس الجنان.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الصفحة السابقة