
العلامة محمد زاهد الكوثري
1296 ـ 1371هـ
(1879 ـ 1952م)
رجل طويل القامة، ضخم الهامة، ممتلىء الجسم في غير بدانة، خفيف العارضين، قصير اللحية، أشيبُ الشعر، جميل الصورة، حديد السمع والبصر، بديع الذاكرة جميل الخط... تلكم هي بعض أوصاف هيئة العالم الفذ خاتمة المحققين الشيخ محمد زاهد بن الحسن الحلمي الكوثري... من فخذ من الجركس يعرف جدهم باسم كوثر.
بداية جادة
ولد مع أذان الفجر يوم الثلاثاء السابع والعشرين أو الثامن والعشرين من شوال عام 1296هـ وتلقى مبادئ العلوم من شيوخ (دُوزْجه) وكان أول شيوخه والده حسن بن علي الكوثري، وهو من العلماء العاملين في خدمة طلبة العلم بجد واجتهاد.
ولما شب واستوى رحل الشيخ محمد زاهد إلى الآستانة عام 1311، ونزل عند وصوله في مدرسة الحديث، حيث كان ينزل من قبل عمه موسى الكاظم الكوثري، وبدأ في طلب العلم على يد شيخه إبراهيم حقي الدبيني في جامع الفتح، ثم تمم طلبه العلم على يد شيخه الآخر زين العابدين الألصوني إلى أن تخرج عليه سنة 1322، ثم أدى امتحان العالمية سنة 1325هـ واشتغل بعد ذلك بالتدريس في جامع الفتح الذي درس فيه.
وكان مما نقل عن شخصيته القوية ومواقفه الصارمة، أنه وهو يعمل في التدريس واجه الحملة العنيفة على العلوم الدينية والمدارس الشرعية في تركيا، والتي كانت تهب رياحها باسم الإصلاح، الذي كان الهدف منه في الحقيقة القضاء على التدريس الديني جملة وتفصيلاً.
أعمال... وأخلاق
وقد كان للشيخ الكوثري موقف مشهود، فقد أبطل جميع الخطط التي كانت تهدف إلى اختصار مدة الدراسة الشرعية من خمسة عشر عاماً إلى ثمان سنين، إضافة إلى مواجهته ورفضه تدخل جهات خارجية عن البيئة العلمية في تعيين مدرسي مواد الدراسة، وقد نجح والحمد لله في مسعاه.
ولما نشبت الحرب العالمية الأولى تربص به أعداؤه وحساده وقد بدأوا بالازدياد مع سطوع نجمه، ففضل مغادرة الآستانة بحجة القيام بافتتاح المعهد الفرعي في قسطموني بوسط الأناضول، حيث بقي في المعهد هناك ثلاث سنين، استقال وعاد بعدها إلى الآستانة.
وكان الشيخ محمد زاهد الكوثري ذا ذكاء وفطنة يستطيع بهما إخجال خصمه وإفحامه.
حدث أن زميلاً له في التدريس، واسمه فاضل عارف، طلب من أحد المسئولين ـ وكان صديقاً له ـ أن لا يبلغ الشيخ نبأ نجاحه في تدريس الفقه وتاريخه، فلم يعلم الشيخ إلا من الصحف بنجاحه، وأدرك أن فاضل عارف زميله هذا هو الذي أصر على عدم تبليغه رسمياً، فما كان منه إلا أن مضى إليه وهو خصمه وقال له:
علمت من الصحف نبأ تعييني، ولما كنتَ زميلي في التدريس، ومن ذوي الجاه الآن، فلا بد أن ذلك كان بمساعدتك، فاضطر عارف إلى مجاراته وقبول شكره وتناسى معاكسته الماضية وأصلح حاله معه.
عناية إلهية
وقد أدركه لطف الله عز وجل في لحظة حرجة فأنجاه من الغرق عندما كان في طريق عودته من قسطموني ـ بعد الاستقالة ـ إلى استانبول، ذلك أنه استقل مركباً صغيراً إلى مدينة (أقتشه شهر) فاضطرب بهم البحر قبيل وصولهم المدينة، ثم انقلب بهم المركب، فتمسك الركاب به، ولم يستطع من على الشاطئ إنقاذهم لشدة الموج، إلا أن راكبين من ركاب المركب ـ كانا ذا خبرة في البحر وشئونه ـ استطاعا بعد جهد جهيد ومحاولات عديدة إنقاذ الركاب، ومنهم الشيخ، بعد أن ظنوا أنه قد فارق الحياة لتوقف حركته.
ولئن كان نجا من الموت غرقاً إلا أن جملة عظيمة من المخطوطات العلمية النادرة كانت برفقته ابتلعها الموج وطواها البحر.
وإذا كانت تلك الأحداث صفحات شبه مطوية من حياة العلامة الكوثري، إلا أن ما لم يطو من صفحات حياته أشهر ما ينوه به أو يشار إليه لدى العلماء، خاصة ما كان سبباً في عزله من أرفع المناصب التي يطمع بها كل عالم.
ذلك أن الشيخ كان أحد ثلاثة نواب لشيخ الإسلام في الدولة العثمانية، وذلك منصب رفيع يتقاضى القائم به في ذلك الوقت مبلغاً خيالياً يقدر بنحو خمسة وسبعين جنيهاً ذهباً كل شهر، وكان في منصبه مسئولاً عن أمور منها المدارس الدينية، فأراد بعض المتنفذين من أعوان الخليفة أن يهدم مدرسة دينية قديمة أنشأها السلطان مصطفى الثالث المسمى بلاله لي، ليبني مكانها داراً للإسعاف، فعارض الشيخ الكوثري معارضة شديدة، وطلب من رئيسه شيخ الإسلام أن يسانده في إيقاف هدم تلك المدرسة الأثرية والمهمة في التدريس الديني، وأقام دعوى على زعيم المحاولين للهدم، وكان اسمه السلطان محمد وحيدالدين، وعلى مساعده توفيق باشا، وأثناء الدعوى تولى توفيق باشا منصب الصدر الأعظم أي رئيس الوزراء، فلم يتورع عن عزل الشيخ الكوثري عن منصبه وتعيين سواه فيه إنفاذاً لرغبته في هدم المدرسة الدينية، والتي كانت تعادل أرقى الجامعات في تركيا بمنزلتها وأوقافها وطلابها.
عالم واعٍ بصير
إلا أن الشيخ إذا كان قد عزل عن وظيفته كوكيل للمشيخة الإسلامية، فإنه لم يعزل نفسه عن عمله الأصلي كمتصد للكفر والإلحاد الذي استشرى في البلد إذ ذاك، وعز عليه أن يقف ساكتاً إزاء محاولات هدم الخلافة الإسلامية ومحي أعظم معالم الإسلام، فكان يدوي بصيحاته، ويجلجل بوقفاته ويندد بأعداء الله في كل موطن ويحذر من نواياهم، حتى انقلبت الموازين، وتم لأعداء الإسلام ما أرادوا من إلغاء الخلافة ومحاربة الإسلام، فلم يبق أمام الشيخ إلا أحد حلول ثلاثة: إما أن يسكت ويستذل، ولم يكن هذا من شأنه أو طباعه، وأما أن يقبل المضي إلى غياهب السجن حيث يموت موتاً بطيئاً غير قادر على نشر علمه ورفع صوته، وإما أن يغادر الآستانة قبل إلقاء القبض عليه.
وفعلاً... فقد خرج الكوثري رحمه الله، وبينما هو في السوق جاءه الخبر بمحاولة القبض عليه، فتوجه من السوق إلى الميناء دون الرجوع إلى منزله، حيث استقل الباخرة من الآستانة إلى الإسكندرية، ليصلها فاراً بدينه في ربيع الآخر عام 1341هـ.
وانتقل إلى القاهرة فأقام فيها مدة، ثم عاد إلى الإسكندرية، ومنها إلى بيروت في رحلة علمية امتدت أكثر من سنة، تنقل خلالها من بيروت إلى دمشق، حيث لقي فيها ثلة كبيرة من أجلاء علماء الشام، ثم إلى فلسطين فالقنطرة فمصر.
وكانت له رحلة ثانية إلى دمشق.
نقاط بارزة
واشتهر الإمام محمد زاهد الكوثري بأمور عديدة منها:
أولاً: أنه في أخلاقه وطباعه كان عفّ النفس عزيزها، كريم الطبع، ذا أنفة من أن يكون محل استرحام أحد، فعلى الرغم من أنه قضى شطر حياته مهاجراً متنقلاً بين البلدان، إلا أنه كان يأبى أن يأخذ من أحد شيئاً مهما بلغت بع الفاقة، بل كان يتدبر أموره بشتى الطرق التي كان آخرها أن يبيع كتبه وبعض مقتنياته لينفق على نفسه... يقول الأستاذ أحمد خيري: رأيته يلح على محمد أمين الخانجي إلحاحاً شديداً كي يأخذ قيمة كتاب اشتراه من مكتبته بسعره الحقيقي، لا يقبل أبداً أن يضع له منه شيئاً إكراماً له.
ويقول الشيخ عبدالله الحمصي: إن الكوثري كان يبالغ في إكرام بعض القائمين على علاجه من موظفي المستشفى الذي عولج فيه آخر حياته، حتى ينزع من أفكارهم نظرتهم إلى العلماء على أنهم شحيحون بخلاء... بل بلغت به عفته أنه كان لا يقبل على تعليم أحد جزاء، ولقد قال مرة لحسام الدين القدسي لما عرض عليه مئة نسخة من كل كتاب صححه من مطبوعاته، فقال له:
ـ هل يجتمع هذا مع الأجر في الآخرة؟
ثانياً: كان الإمام الكوثري مكثراً من التأليف والمقالات والتعليقات وتقديم الكتب، بلغت تىليفه أكثر من (51) مؤلفاً، أما الكتب التي علق عليها أو قدم لها فهي قرابة ستين كتاباً من أنفس الكتب، وأما مقالاته التي كانت تتخاطفها أشهر الصحف والمجلات فهي كثيرة جداً ومفيدة، وفيها من النظر الثاقب والأدب البليغ والعلم النافع ما فيها، وقد جمع بعضها في كتاب مقالات الكوثري...
ولم تكن مؤلفاته في العربية فقط، بل كثير منها بالتركية، وبعضها بالفارسية، وكان يجيد إجادة تامة، إضافة إلى تلك اللغات الثلاث، اللغة الجركسية.
ثالثاً: كان الإمام الكوثري رحمه الله ذا غيرة شديدة على الإسلام، شديد الحماس للعقيدة الصحيحة، التي هي عقيدة أهل السنة والجماعة، متمسكاً بالمذهب الحنفي، وقد سببت له غيرته تلك وذبّه عن الإسلام وجهره بما يراه حقاً عداوات ممن لا يرتضون الحق مسلكاً ولا يقبلون العدل ميزاناً، فكان الشيخ يرحمه الله لا يأبه لعدواة معاد، كما لا تهزه شهادة وإطراء محب.
ولكن يكفي أن نعلم أنه قد شهد له بالفضل والعلم والمكانة كثير من فطاحل الإسلام، أمثال الشيخ محمد يوسف البنوري وهو من أشهر علماء باكستان، والشيخ محمد أبوزهرة الذي راوده على التدريس في الجامعة وبإلحاح شديد، فلم يقبل، معتتذراً بضعف جسمه وعدم قدرته على بذل الجهد الكامل لأداء حق العلم.
كما شهد له كل من لقيه من علماء مصر والشام وفلسطين ـ زيادة على علماء تركيا ـ باتساع علمه وشدة تحريه للحق، وتتبعه لدقائق المسائل وفهمه العميق فيها.
على أنه في غمرة صلابته بالحق وصدعه به وانشغاله بالذبّ عن الدين ربما وقع في خطأ غير مقصود، وجل من لا يخطئ، ولن يضره في علمه وتقواه ذلك شيئاً ما دام مجتهداً متحرياً للحق، ولعل الله يغفر لنا وله.
أستاذ الأساتذة
هذا وقد كان يرحمه الله في بيته حيثما حل وارتحل كعبة العلماء، ومحجة الباحثين، وموئل طلبة العلم والدارسين... ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على تلاميذه لنراهم ثلة من أجلاء العلماء أمثال: واعظ جامع بايزيد في اسطنبول حاجي جمال الألاصوني، والشيخ حسين بن إسماعيل أطاي أستاذ الشريعة ببغداد، والشيخ عبدالله بن عثمان الحمصي، والشيخ محمد إحسان بن عبدالعزيز، والشيخ عبدالفتاح أبوغدة وغيرهم.
ولقد وافاه الأجل بعد صراع مع المرض كان يثقل عليه حيناً وحيناً يخف، حتى أسلم الروح إلى بارئها بعد ظهر يوم الأحد تاسع عشر ذي القعدة سنة 1371هـ في مصر القاهرة، وصلي عليه قبل ظهر يوم الإثنين التالي، ودفن في قرافة الإمام الشافعي قرب قبر أبي العباس الطوسي.
يقول الشيخ العلامة محمد أبوزهرة:
ـ لا أعرف أن عالماً مات فخلا مكانه في هذه السنين كما خلا مكان الإمام الكوثري، لأنه بقية السلف الصالح الذين الذي لم يجعلوا العلم مرتزقاً ولا سلماً لغاية.
رحمه الله وأكرم مثواه.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة