
السيد محمد أحمد المهدي
1259 ـ 1302هـ
1843 ـ 1885م

من آل البيت
لم يعش طويلاً... فلم تزد سني عمره حين وفاته عام 1302هجرية على اثنتين وأربعين سنة... إلا أنه في نفسه وفي أعماله التي قام بها في حياته، وفي آثاره التي خلفها بعد موته في السودان وما حولها، كان أمة كاملة تمثلت في رجل واحد.
كان الإمام محمد أحمد بن عبدالله ـ الملقب بالمهدي ـ سليل أسرة عربية ينتهي نسبها إلى سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما، وقد عرفت هذه الأسرة بالكرم والنخوة والتمسك بأخلاق الدين.
ورع وفصاحة
بلغ به الورع أن أسرته كانت ترسل إليه شيئاً من المال القليل لينفقه على نفسه وحاجاته، فكان يأخذ منه حاجته لساعته تلك، ثم يعمد إلى الباقي فيتصدق به، فإذا عاودته الحاجة إلى المال ثانية عمد إلى الغابة فاحتطب وباع ما احتطبه، أو ذهب الى النيل فألقى بخيطه في الماء، ليصطاد من السمك ما يقتات به.
ولما سمع أن شيخه يتقاضيى راتباً من أموال الدولة المشبوهة رفض ان يتناول طعامه، ولاحظ شيخه ذلك فعظمت مكانته عنده، وقال له:
ـ يا بني إني ورثت عن آبائي هذه الساقية وهذه الأرض، وإني لأقتات أنا وأهلي منها، وإنك لتوليني فضلاً لو شاركتني القليل مما لدي، فطابت نفسه بذلك على أن يعمل في الأرض لقاء طعامه منها.
وكان رحمه الله فصيح النطق بليغ التأثير في موعظته، لذلك عهد إليه شيخة نشر الدين في جزيرة (آبا) فأقام فيها مسجداً وخلوة للتعليم والارشاد، وورد إليه الناس من مختلف أقطار السودان يتعلمون ويتخلقون، وأخذ الناس ببلاغته وعذوبة حديثه، وسحروا بكريم أخلاقه، فالتفوا حوله يحدثهم عن الإسلام، ويأمرهم بتصفية النفس وتطهير القلب، ويذكرهم بفظاعة الظلم الواقع على المسلمين، وبشاعة المنكرات المنتشرة بينهم.
رحلات... وفطنة
ورأىالمهدي رحمه الله أن من تمام عمله وكمال دعوته أن يرحل إلى المناطق البعيدة، فرحل إلى جميع أقاليم السودان داعياً وهادياً، ووثق صلته بالقبائل المنتشرة هنا وهناك، وكثر مريدوه وأتباعه في كل فج ونهج.
ولم تكن تعتريه غفلة بعض الصالحين، حينما يغترون ببعض التصرفات الظاهرة، فيقنعون بها من ظالم أو جائر، لذلك فإنه وهو في لجة صراعه مع الانكليز لم يخدع بما أظهره الجنرال غوردن له، من رغبة في الإشفاق على المسلمين، وحب للمحافظة على دينهم، وسعى لنشر الأمن في ربوعهم... ولم يخدع بما أعطاه إياه من سلطة كردفان ورغبةٍ له في فتح طريق الحج، بل رد عليه بقوله:
ـ وأما فتح طريق الحج فإنها خديعة منك وتظاهر بحماية الدين الإسلامي، مع أنك لا تؤمن بحرف مما جاء في هذا الدين، وإنك لمن معشر عرفوا بعدائه وكرهه، فإن كنت ممن يشفق على المسلمين فأولى بك أن تشفق على نفسك، وتخلصها من سخط خالقها وتحملها على اتباع الدين الحق.
نصيب الأمراء والملوك
وكان الإمام المهدي رحمه الله لا يترك نصيحة من يليه من الحكام إبراء لذمته، وبياناً للحق، ورغبة في الإصلاح، كتب إلى الخديوي توفيق محذراً مغبة التعامل مع الانكليز فقال له فيما قال:
ـ وما يحسن بك أن تتخذ الكافرين أولياء من دون الله، وتستعين بهم على سفك دماء أمة محمد صلىالله عليه وسلم... ألم تسمع قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ). وما هذه الطاعة لأعداء الله؟ والله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).
ونصيحة العامة والأمة
كما كان الإمام محمد أحمد بن عبدالله المهدي ذا رأي اجتماعي نابع من الإسلام، فإنه لما رأي التباين الفاحش بين الناس ـ وكلهم مسلم مؤمن ـ إذ يرتع هذا في جنان النعيم ويشقى ذلك في دركات البؤس والفاقه، لما رأى ذلك دعا الناس إلى إزالة كثير من الفوارق، وإبطال الألقاب والرتب، وعدم التظاهر بالأموال، وترك الإسراف في الملذات، وفرض اللباس الشعبي الموحد على الرجال حسب متوسط الحال، وعلى النساء كذلك مع إلزامهم بالستر والحشمة، يقول في أحد منشوراته:
ـ فالبسوا الجبب المرقعات، وألبسوا نساءكم البسيط الساتر، ولا تجاوروا من ترك الجهاد أو فعل منكراً من المنكرات، ولا تمنعوا الأراضي لأنها لا تملك، بل هي محوزة لبيت المال، وليتعلم بعضكم من بعض، وليكسر المجاهد طرفه لأخيه المجاهد، وأن لا يعلو عليه، ويساويه في الفراش والأكل، وأن الأمراء والكافة كلهم على حد سواء إلا في الأمر والنهي.
أسلوب عملي في السلوك
وكان هذا العالم الفذ رجلاً عملياً، فكان لا يرضى من أتباعه إلا الإسلام العملي، ومن هنا ربى أتباعه تربية قوامها الزهد في الدنيا والتضحية بالنفس رخيصة ـ وبالمال أرخص ـ في سبيل الله، والبعد التام عن كل الآثام، فلا شرب للخمر، ولا ارتكاب للغواية، ولا كذب في الحديث، وضرب لهم من نفسه مثالاً لكل ما دعاهم إليه، وكانت الخلوة والمسجد والاجتماعات العامة وسيلة في الدعوة إلى هذه الفضائل.
واتخذ لنفسه بطانة صالحة تدل على وعي تام وإدراك بصير، وعين في المنطقة التي اتبعته قضاة من صفوة العلماء الأتقياء، وعهد إليهم مباشرة القضاء والأحكام والفصل بين الناس، وكان يأمرهم باتباع الحكم الصريح والصحيح، بعيداً عن أي تعقيد فقهي لا داعي له... كما عين نواباً عنه في الأقاليم يديرون شئون الناس، ويضبطون أمور البلاد، ويرفعون إليه أمور الخلق، ليكون مطلعاً عليها، وليتصرف بما تمليه المصلحة ويأمر به الدين... كما نظم الشئون المالية، فأنشأ بيت المال وجعله مورداً لرزق المسلمين يعطي كلاً منهم بمقدار حاجته هو وعائلته، وعين جباة للزكاة يجمعونها من أموال الأغنياء والأثرياء.
وكان من وعيه ونفاذ بصيرته أن حذر من فتاوى من يسخّرون علمهم في اقتناص الفوائد ورعاية المصالح، فلقد رد على الجنرال غوردن والخديوي في مصر، عندما استحصلا على فتوى تبطل دعواه، وتدعوا الناس إلى الرجوع إلى ما كانوا عليه والانصراف عن نهجه... رد بتذكير الخديوي إلى وجوب عدم الركون إلى أقوال علماء السوء، الذين أسكرهم حب الجاه والمال، حتى اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فيهلكونك كما أهلكوا من قبلك.
وبساطة في الحياة
ولقد عاش الإمام المهدي حياته رحمه الله، حتى بعد أن بسط سلطانه على السودان، وانتشرت دعوته شرقاً وغرباً، وكثرت الأموال لديه والغنائم، ومع ذلك عاش عيشة خشنة في مطعمه ومشربه وملبسه، وكان يروض نفسه على هذه الحياة بخلوته في غار له يذهب إليه للتعبد بين الحين والآخر.
وكان وديع النفس كريم الخلال، مخلصاً في دعوته، قوي الإيمان بالله، شجاعاً لا يبالي أن يموت في سبيل عقيدته، وبهذا الإيمان الراسخ تمكن مع قلةٍ من أتباعه، وضعفٍ في أسلحته، وبساطة في حياته أن يهزم الجنود المدربين تدريباً جيداً، والمجهزين بالأعتدة الحربية المتطورة في كثير من المعارك.
حركة جهادية تحررية
ونستطيع أن نجمل تاريخ حركته المهدية في السودان: بأنه لما بلغ حاكم الخرطوم أن الإمام محمد أحمد المهدي يبث الرسل إلى أنحاء البلاد، يدعون الناس للالتفاف حوله، وأدرك خطورة ذلك، دعاه لمقابلته فلم يجبه إلى طلبه، فأرسل حملة عسكرية لمقاومته وقطع شأفته، ولكن المهدي وجماعته هزموا الحملة، وقتلوا معظم رجالها بسيوفهم وعصيهم، وأثار هذا شعور الناس فأخذوا يهرعون إليه.
وأرادت بريطانيا بعد هزيمة عرابي في مصر أن توقف هذا التيار الخطير في السودان، والذي تخشى أن يمتد إلى مصر بحكم الصلة الوثيقة بين مصر والسودان، فأرسلت بالاتفاق مع خديوي مصر حملة عسكرية بقيادة هكس باشا، فما ك ان مصيره إلا أن قتل، وفشلت الحملة فشلاً ذريعاً.
وأرسل الخديوي إلى السودان حاكماً انكليزياً جديداً، هو الجنرال غوردن، فوصل إلى السودان وهو يدعو إلى فكرة استقلال السودان، وإرضاء المهدي بتعيينه أميراً على بعض مناطقه، وأمر بإطلاق سراح المسجونين، وإيقاف تحصيل الضرائب، وأرسل إلى المهدي هدية، وعرض عليه أن يوليه إقليم كردفان.
فلما وصلت الهدية والكتب إلى المهدي، جمع أنصاره وقرر رد الهدية، ورفض ما عرضه عليه، وأعلن أنه لا يريد ملكاً ولا جاهاً ولا مالاً، وإنما يريد رد الناس إلى دينهم ومنع الظلم والفساد، ودعا في الوقت نفسه الجنرال غوردن إلى الإسلام.
وأدرك غوردن أن خصمه من نوع آخر، وأن دعوته إذا تركت فسوف يقوى أمرها ويعظم شأنها، فطلب إرسال حملة عسكرية جديدة مجهزة بالأسلحة الحديثة الفتاكة للقضاء على حركة المهدين فاستجابت بريطانيا وأرسلت حملتها سريعاً، ولكن المهدي ببراعة القائد أسرع إلى مهاجمة الخرطوم والاستيلاء عليها، وقتل غوردن قبل وصول الحملة.
نهاية الإمام
وأصيب الإمام بالحمى وهو في قمة مجده وريعان شبابه، فأوصى بالإمامة من بعده لأحب أنصاره إليه وأشدهم إخلاصاً لدعوته، أوصى إلى عبدالله التعايشي، وتوفي عام 1885 للميلاد، بعد أن رأى ثمار دعوته ونجاح مقصده.
رحم الله السيد محمد أحمد المهدي وأجزل مثوبته
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة