
مسجد صنعاء الجامع
صنعاء مدينة تاريخية قديمة كادت تكون أقدم مدن التاريخ. أكثر المؤرخون من امتداحها وذكر محاسنها، فها هو ياقوت الحموي يقول :
وصنعاء قصبة اليمن وأحسن بلادها تشبه بدمشق لكثرة فواكهها وتدفق مياهها فيما قبل.
وهذا عمارة بن الحسن يقول: ليس بجميع اليمن أكبر ولا أكثر مرافق وأهلاً من صنعاء، وهو بلد في خط الاستواء وهي من الاعتدال بحيث لا يتحول الإنسان من مكان طول عمره صيفاً ولا شتاء.

الإسلام واليمن ... علاقة قديمة:
وصلة الإسلام باليمن عموماً صلة ترجع إلى الأيام الأولى فيه، فقد وفد على النبي صلى الله عليه وسلم من نجران اليمن وفدُُ وهو في مكة قبل أن يهاجر، فاستمع إليه وأعجب به، ومال إلى تصديقه، حتى نقم عليهم مشركو مكة، وتعرضوا لهم بقبيح الكلام، فقالوا لهم بكل أدب وهدوء: سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين...
كما أن أكثر من وفد قدم على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن بعد الهجرة خاصة بعد خيبر سنة (6هـ)، ومن تلك الوفود أبو موسى الأشعري وقومه، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم ـ كما جاء عند الإمامين أحمد وعبدالرزاق ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه: " أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبا وأرق أفئدة. الايمان يمان، والحكمة يمانية والجفاء والقسوة والغلظ غلظ القلوب في الفدادين من أهل العرب ".
مسجد صنعاء.. ودعاة الإسلام:
ولذلك فلا عجب إذا علمنا أن مسجد صنعاء الجامع هو من أقدم المساجد في الإسلام، فقد بني في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره.
وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عدة من أصحابه إلى اليمن، منهم معاذ بن جبل وأبان بن سعيد وفروة مُسَيك ووبر بن يحنس وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين... أرسلهم دعاة وهداة.
وورد عن كثير منهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يبني مسجداً، إلا أن غالبية المؤرخين يميلون إلى ان مسجد صنعاء بني على يد أحد رجلين: إما وبر بن يحنس الأنصاري أو فروة بن مسيك المرادي... روى عبد الرزاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر وبر بن يحنس الأنصاري حين أرسله إلى صنعاء والياً عليها فقال: " ادعهم إلى الإيمان، فإن أطاعوا لك به، فاشرع الصلاة، فإذا أطاعوا لك بها فمر ببناء المسجد لهم في بستان باذان، من الصخرة التي في أصل غمدان، واستقبل بها الجبل الذي يقال له: (ضِيْن).
وفي تاريخ مدينة صنعاء للرازي: روي عن بعضهم قال: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فروة بن مسيك المرادي إلى صنعاء ومخاليفها وحضرموت، وأمره أن يبني مسجد صنعاء ما بين القلعة الململمة الخضراء إلى غمدان، فبناه.
وذكر الرازي أيضاً عن محمد بن داود بن قيس: بُني مسجد صنعاء قبل مسجد الجنة بستة أشهر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أفضل منه لقدمه عليه.
والذي يرجحه أكثر المؤرخين أن يكون المسجد قد وضعت اساساته على يد الصحابي الجليل وبر بن يحنس. ولعل معاذ بن جبل رضي الله عنه لما جاء مرسلاً من قبل النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بالمسجد ووسعه.
وليست بين أيدينا معلومات واسعة عن صفة المسجد الذي بني في صنعاء بأيدي اولئك الصحابة الأول، سوىما قيل من أن مساحته آنذاك لم تكن واسعة، بل كان مربع الشكل، طول ضلعه اثنا عشر متراً تقريباً، وفي أساساته بعض أحجار يرجح أنها أخذت من أقفاص قصر غمدان.

مسجد صنعاء في العهد الأموي:
وقد ذكر أن الوليد بن عبدالملك الخليفة الأموي المعروف باهتمامه بالمباني والمساجد، قد أمر واليه على اليمن أن يعيد بناءه.
قال الرازي: ولما أفضت الخلافة إلى الوليد بن عبدالملك كتب إلى أيوب بن يحيى الثقفي بالولاية على صنعاء واليمن، وأمره أن يزيد في مسجد صنعاء ويبنيه بناء جيداً محكماً.
فبناه أيوب بن يحيى، وزاد فيه من نحو قبلته الأولى إلى موضع قبلته اليوم، وحضر وهب منبه ذلك فقال لهم: إن أردتم أن تنصبوا قبلته فاستقبلوا به ضينا.
ونقل لنا أنه كان للمسجد حينذاك ثلاثة أروقة محيطة بصحنه، وفيه اثنا عشر عمودا، وفيه محراب من الجص الذي اشتهرت به اليمن وله باب واحد من الجهة الجنوبية.
وقد ذكر أبو نواس (الحسن بن هاني) في إحدى قصائده يصف تطييب المسجد الجامع في صنعاء بقوله:
بل نحن أرباب ناعطٍ ولنا صنعاءُ والمسك في محرابها
وذلك أنهم كانوا في أيام بني أمية يخضبون محاريب المساجد بالخلوق والطيب، فلم يزل ذلك في أيامهم.
العباسيون.. ودور نشط:
ثم انقطع ذلك الطيب من المساجد لما قدم عمر بن عبدالحميد، وكان أول من ولي صنعاء لبني العباس. وهو أول من وضع الأبواب لمسجد صنعاء لأول مرة في تاريخه. قال الكشوري: حدثني أحمد بن دامرو قال: عمر بن عبدالحميد أول من ولي صنعاء لبني العباس وهو أول من بوب أبواب المسجد الجامع. وكان لا بأس به.
كما جدد مسجد صنعاء الجامع مرة أخرى في أيام العباسيين سنة 136هـ، على يد علي بن الربيع المداين الحارثي أحد ولاة العباسيين علىاليمن. أفاد ذلك النقش المزبور بالخط الكوفي والمثبت حديثاً في جدار الجامع. ويبدو أن هذا التجديد قد أدخل الكثير من التزويقات والزخرفة عليه. قال الرازي: كان في المحراب نقوش وتزويقات وصنعة عجيبة حسنة بالجص عملاً معجزا.
محمد بن يعفر الحوالي.. وتجديد كبير:
وفي عام 265هـ نزل سيل عظيم جارف خرب الجامع وضعضعه، فقام أمير اليمن وملكها آنذاك محمد بن يعفر الحوالي بعمارته وتجديده وتوسعته، واستمر العمل في ذلك حتى عام 269هـ، وكانت تلك أبرز العمارات في مسجد صنعاء الجامع لمدة طويلة، فقد اتقن سقوفه وزخرفته، وجلب له الخشب الساج والعدني، وجعل نقوشه قريبة من السقف.
ويظن أنه هو الذي أحدث له الباب المجاور للمحراب الذي عليه نقوش صميرية بارزة، ويقال: إنه أحد أبواب قصر غمدان الشهير، وقد خصص هذا الباب لدخول الولاة والأئمة والملوك. كما أوقف له أوقافا جسيمة في صنع وغسيل الرسة التي تدر عليه بالخيرات، وسجل اسمه على جنباته وأحجاره.
القرامطة يخربون مسجد صنعاء:
ولم يأت عام 293هـ حتى دخل القرامطة إلى صنعاء واستباحوها، بقيادة داعيتهم علي بن الفضل القرمطي، وهدموا جوانب من مسجد صنعاء، بل حاولوا إسقاط سقفه كله، وذلك بأن سدوا ميازيب سطح المسجد في فصل الخريف الممطر حتى امتلأ سطحه ماء، وكاد يقع لولا لطف الله، وزادوا على ذلك ـ كما يرويه الرازي ـ بأن شربوا الخمر في المسج، وذبحوا فيه كثيراً من الخلق.
ثم إن الأمير أسعد بن يعفر صار إلى صنعاء وأخرج منها علي بن الفضل القرمطي ،وعضد جدران المسجد بالحجارة المقوية، وأصلح سقوف المسجد المتضررة، واعتنى بالمسجد خير عناية، وجمّله وزخرفه، وأعاد له شبابه ونضارته.
حتى جاء بعض القضاة وهو قاضي صنعاء يحيى بن عبد الله بن كليب المتوفى عام 341هـ فأمر بهدم تلك النقوش التي كانت في المحراب، وجصصه بجص عادي خال منها متعللاً بقوله: إن ذلك لم يكن جائزاً.
كما عمد إلى ما كان من الزخرفة في الأحجار الخارجية للجامع فشوه صورتها.

أروى بنت أحمد الصليحي.. ونقطة مضيئة:
وتوالت عمليات التجديد في مسجد صنعاء. فقد جدده سليمان بن محمد عام 388هـ وجدده كذلك محمد بن حسين عام 407هـ ثم كانت واحدة من التجديدات والتوسعات الشاملة فيه عام 525هـ وهي التي قامت بها المرأة الفاضلة أروى بنت أحمد الصليحي التي زادت في المسجد الجناح الشرقي فيه، اضافة إلى عمارة المسجد كله، حتى أصبح ينسب إليها المسجد، فيقال له : مسجد أروى...
مئذنتان.. شرقية وغربية:
وقد علم من تتبع الروايات أن كان لمسجد صنعاء في هذه المرحلة مئذنتان إلا أن احداهما ـ وهي ـ تصدعت وانهارت عام 594هـ، بينما كانت الغربية الأخرى قد تصدعت بعدها. لذلك فإن الأمير الأيوبي الكردي الأصل وردسار بن بيامي الشانكاني أعاد بناء هاتين المنارتين عام 602هـ وابتدأ بالشرقية منهما.
يقول الرازي: ثم إن هذا الأمير أمر بعمارة هذه المنارة، فجهز لها البنائين والجعلاء وحمالة تحمل الجص من المحاجر، حتى إذا وصلت العمارة إلى موضع الدرابزين أمر بعمل شرفة الأذان من ألواح جيدة حسنة مزوقة من الساج، وسمرت بالمسامير الحديد البليغة الغليظة، وأحكمت صنعته، وكان ذلك أول درابزين عمل في مئذنة في اليمن كلها، وقد نقل ذلك وردسار من مآذن الشام.
ثم بنيت المنارة من الدرابزين إلى موضع القبة مثمنة الاضلاع، وعمل تحت القبة موضع بالسكارج الخضر، ثم عملت القبة صنعة محكمة، وعمل في رأسها ثلاث جوزات من نحاس، ورأسها هلال من نحاس، وألصق إلى القبة، وجصص أسفله وأحكم.
وفي خلال مدة ذلك نقضت المنارة الغريبة إلى غاية أسفلها، ثم عمل أساسها على الأرض المسواة، ثم جعل فيه أحجاراً قوية فيها مماسك قوية للأحجار التي توضع فوقها، ثم أتم بناءها الأعلى بالآجر، وجصص المنارة كلها ونقشها، وصنع لها أيضا شرفة للأذان جميلة، مثل تلك التي في المنارة الأخرى.
ثم بنى هذه المنارة من شرفة الأذان إلى القبة مسدسة الاضلاع، وركب في رأس قبتها صورة سفينة من نحاس على عمود من حديد.
وقد كتب اسم هذا الأمير على حجر من مرمر ووضع في جدار المنارة الشرقية..\
وتم عمله هذا مع إصلاح عمارة المسجد عموماً وإضافة منبر جميل مزين بقطع من الفضة المسبوكة على شكل آيات قرآنية في سنة 603هـ في منتصف رمضان.
وقد أوقف هذا الأمير الأموي الأيوبي أوقافاً جزيلة على مسجد صنعاء ومن فيه من عالم ومتعلم وعابد وناظر وقف،ٍ وكان ناظره على الوقف عبدالرحمن المعروف بإقبال الحبشي.
ماء مبرد بالثلج.. في الصيف:
هذا ويذكر أن جامع صنعاء كان فيه بركة ماء وميضأة ومطاهر بناها سري بن إبراهيم بن أبي بكر سنة 606هـ.
كما كان يوضع فيه في الصيف ماء مبرد بالثلج المختزن من الشتاء، ذكر الرازي أنه قال له أبو محمد الجرحاني ـ وقد رآه يشرب ماء بارداً بالثلج في مسجد صنعاء ـ فقال له:
قد طفت الدنيا قطعة قطعة فما رأيت مثل صنعاء في طيب هواها في هذا الوقت (اي حزيران) ولا يقدر أحد على هذه الشربة من الماء.
ولمحت بعض الروايات إلى أن في مكان مسجد صنعاء قبر نبي فعن مطرف بن أيوب قال: في مسجد صنعاء قبر نبي يسمى حنظله.
مشاهير العلماء وإمامة المسجد:
وقد تول الإمامة في مسجد صنعاء الجامع عدد كبير من العلماء والصلحاء منهم محمد بن عمر بن أبي مسلم السمسار، وكان المقدم في مسجد الجماعة في صنعاء على غيره في شهر رمضان لجودة قراءته.
ومنهم عبدالله بن محمد يوسف القطراني، ولاه أسعد بن أبي يعفر الإمامة في مسجد الجماعة بصنعاء في المدة التي دخل فيها القرامطة صنعاء وأفسدوا فيها.
وقد جاء بعد وفاته إماماً لمسجد صنعاء أبو بكر محمد بن المعان البعادي، وبقي كذلك قرابة عشرين عاما، ثم جاءه محمد بن أحمد النقوي.
كما تولى الأذان فيه صلحاء الرجال، مثل إبراهيم بن خالد من أصحاب معمر المحدث الذي أذن فيه سبعين سنة حتى مات.
ولمسجد صنعاء باب في الجهة الغربية يقال له باب بني ثمامة نسبة إلى ثمامة الذي قدم على النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه وأخذ عنه سورة يس قبل رحيله إلى بلاده اليمن.
مسجد صنعاء الحالي:
ويصف الدكتور عباس فاضل السعدي في كتابه (مدينة صنعاء) مسجد صنعاء الجامع حالياً فيقول:
أما تخطيطه الحالي فهو على شكل مستطيل طوله من الجنوب إلى الشمال 84.5 مترا،ً وعرضه من الشرق إلى الغرب 69.5 مترا، وله 183عموداً، و12 باباً، وصحن الجامع من الداخل على شكل مربع مساحة نحو(4000م2) ويتسع صحن الصلاة فيه لحوالي ألفي مصل، وتتوسطه قبة ارتفاعها عن السطح نحو ستة أمتار تقوم على قاعدة دائرية قطرها 14 مترا...
ويتوج المسجد مئذنتان بارتفاع 17 متراً من الطراز اليمني التقليدي المتأثر بالطراز العثماني، وأحدى المنارين شرقية والأخرى غربية ولكل منهما قاعدة مربعة يقوم عليها بدن مستدير تعلوه شرفة الأذان، ثم يرتفع بدن المئذنة مسدس الشكل إلى أن تتوجه قبة صغيرة.
عبد الله نجيب سالم
تمهيد :
الصفحة السابقة