
جامع الإمام الأعظم
تمهيد :
كنيته أبو حنيفه، واسمه النعمان بن ثابت، غلبت كنية اسمه حتى كان أشهر من نار على علم، فهو إمام الأئمة وفقيه الفقهاء وعلم الأعلام.
ولد عام 80هـ، وتوفي عام 150هـ عن عمر يناهز السبعين.
كان آية من آيات الله في الذكاء والحفظ والاستنباط، نشأ في الكوفة في بيت يسار ودين، أخذ العلم عن فحول العلماء كعاصم الشعبي وحماد وغيرهم، وأخذ عنه كثيرون ممن نبغوا في العلم عامة "والفقه خاصة" كمحمد بن الحسن وزفر وأبو يوسف وآخرون... بلغ عدد المتفوقين منهم سته وثلاثين رجلاً.. له مذهب فقهي معروف باسم المذهب الحنفي يتبعه أكثر مسلمي العالم.
توفي في بغداد أيام المنصور. وكانت له جنازة حاشدة قلّ نظيرها. ودفن في مقبرة الخيرزان في جانب الرصافة.
قبة بيضاء سامية:
ولم يكن عنده قبره رحمه الله مسجد أول الأمر، حيث كان ما حوله مقبرة لعموم المسلمين، إلا أن بعض المراجع ـ كالمقدسي ـ ذكرت أن أبا جعفر الزمام بنى على قبره رواقاً عام 379هـ، ولعل ذلك بعد أن هجرت المقبرة وتحول الناس عنها.
وفي عام 459 هـ بنى الملك أبو سعيد محمد بن منصور الخوارزمي "من ملوك السلاجقة" مشهداً أو قبة على قبره، وبنى عنده مدرسة كبيرة للحنفية. وقد وصف ابن جبر عام 5870 هـ ذلك البناء وصفاً مجملاً فقال: (وفي تلك المحلة مشهد حفيل البنيان، له قبة بيضاء سامية في الهواء فيه قبر الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، وبه تعرف المحلة ( أي محلة أبي حنيفة).
أهمية كبيرة... وتغيرات كثيرة:
وإذا أردنا أن نتحدث عن جامع الإمام أبي حنيفة ومدرسته ( أو جامعته على الصواب ) وهما الآن من أهم الآثار والمساجد التاريخية في عالم الإسلام، بسبب ما للإمام وتلامذته ومذهبه من فضل كبير ومنة عظيمة على جميع المسلمين ـ فإننا نستطيع القول إن هذا الجامع وما حوله قد تغيرت صورته أكثر من مرة عما كان عليه أولاً، لما قام به الكثير من الملوك والأمراء ونظار الوقف، من إحداث ترميمات أو تجديد بناء أو إضافة مرافق أو استحداث بدائع.
العثمانيون أكثر الناس اهتماما:
ويبدو أن العثمانيين كانوا أكثر الناس اهتماماً بمسجد ومدرسة الإمام أبي حنيفة، فعندما دخل السلطان سليمان القانوني عام 941هـ بغداد، وطرد الفرس الذين احتلوها إذ ذاك فترة من الزمن، باشر بإصلاح وتعمير ما خربوه، وإقامة بناء ما هدموه، فأقام مسجد الإمام ومشهده، وبنى له منارة، وأعاد بناء المدرسة المجاورة له.
ذكر ذلك العزاوي فقال: إنه بنى قبة لا يستطيع اللسان وصفها، وبنى المدرسة وعمر في أطرافها قلعة واتخذ جامعاً ودار ضيافة وحماماً، ونحو 50 دكاناً، وعين للقلعة دزدار (مسئولاً) وجنداً لحراستها يبلغون مئة وخمسين.
وقد فعل السلطان العثماني مرادخان الرابع عام 1048هـ مثل ما فعله سلفه سليمان القانوني، فأخرج الفرس من المدينة ثانية، وأعاد بناء الجامع واعتنى بالقبة ـ وهي التي فوق المشهد الآن ـ وجاء بقسم من قبيلة العبيد فأسكنهم حول الجامع وهم آل بوعلي وآل بوحسن.
كما أعاد بناء المدرسة الملحقة بجامع الامام أبي حنيفة، وعين فيها مدرسين وطلاباً، وأجرى لهم مايكفيهم ويكفي المترددين على المسجد، وأمر بإقامة الجمعة في المسجد إضافة إلى الصلوات الخمس.
وكان مما زين به تلك الأبنية قناديل من ذهب وفضة، وبالغ في تزيين الجامع والمشهد، حتى صار كجنة الفردوس كما عبر عنهما بعض الكاتبين.
وفي عام 1080هـ زاد فيه أخ الوزير محمد بك الدفتري رواقاً، كما أن عمر باشا والي بغداد في عام 1090هـ اعتنى بحديقته فجعلها بهجة للناظرين، وفي عام 1217 هـ رمم مسجد الامام الأعظم الوالي سليمان باشا، وزوّق المئذنة بأنواع الزخارف، وحلى رأسها بالذهب، وفي عام 1231هـ بنى داود باشا المصلى.
نذر أم السلطان (برتونيال):
وقد أعيد بناء الجامع كاملاً إلا المنارة والقبة سنة 1288هـ بأمر من السلطان العثماني عبدالعزيز فقد أصاب أم السلطان عبدالعزيز مرض كادت أن تهلك فيه فنذرت لئن شفاها الله لتجددن مسجد الامام أبي حنيفة فشفيت بإذن الله. ولما أمر ولدها السلطان عبدالعزيز بتجديد المبنى خصصت هذه السيدة الشريفة واسمها( برتونيال) مبلغ ثمانين ألف ليرة عثمانية من الذهب وكان مبلغاً خيالياً في حينه، وقد دفعتها خلال سنوات بناء المسجد الخمسة.
وكان المباشر للبناء ( اسطه كرز) أشهر معمار في زمنه، وقد اشتملت الخارطة التي رفعها إلى أم السلطان عن البناء المزمع إقامته على حرم ( بيت الصلاة) ورواقين، وغرف من جهة الجنوب والشرق والشمال محيطة بصحن واسع، كما اشتملت مخططات المسجد على حديقة ومصلى صيفي وساحة كبيرة ومدرسة للقرآن الكريم.
وفي عام 1328 هـ قام السلطان العثماني عبد الحميد بتجديد سور الجامع من جهة القبلة وبنى فيه غرفاً للطلاب والغرباء وبنى دوراً ثانياً فوق الغرف الجنوبية..
وتتابع الترميم والتجديد في عامي 1354هـ و1355هـ.
ثم دعّم البناء عام 1367 هـ بإسناد الرواقين القديمين في جامع الامام بطارمة أمامية تحيط بهما. وأعيد وضع سورة الفتح التي خطها الخطاط الشهير عبدالحميد حمدي من قبلُ على القاشاني الملون البديع على افريز، فتوّجت بها بعد أن كانت فوق الرواق من الجهة الخارجية.
آخر التوسعات وأهمها:
وأهم التوسعات والتجديدات ما حدث في مسجد الامام الأعظم سنة 1391هـ ( 1971م) فإن الجامع على سعته ـ كما يقول الأستاذ يونس السامرائي ـ وسع مرة أخرى إلى ضعف المساحة.
فقد كانت له قبتان: إحداهما فوق المسجد، والأخرى فوق موقد الامام أبي حنيفة رحمه الله، ومنارة من الجهة الشرقية، فأضيفت إليه قبتان أخريان ومنارة من الجهة الغربية، كما جدد السياج الخارجي بالطابوق الأصفر المطعم بالكاشي الكربلائي الأزرق المنقوش بزخارف متنوعة كتب في بعضها أسماء الله الحسنى.
بيت الصلاة فخم واسع:
ويصف لنا الشيخ هاشم الأعظمي جامع الامام إلي حنيفة فيقول:
إنه فخم رحب الفناء (صحن المسجد) واسع المصلى مشيد الأركان محكم القواعد، على مصلاة ( بيت الصلاة) بنيت قبة عظيمة على سوار من أعمدة الرخام الضخم الموصلّي. وحول بيت الصلاة رواقان في الجهة الشرقية والشمالية.
وتتدلى من القبة الكبيرة في بيت الصلاة سلسلة حديدية ضخمة أعدت لحمل الثريا مع المشكاوات الزجاجية، وهي قبة عالية واسعة يبلغ قطرها 15 مترا، وتحيط بها مجموعة من القباب من جهاتها الثلاث.
وقد نقشت قبة الحرم بنقوش دقيقة، وزخرفت بزخارف جصية جاءت آية في الفن والجمال مدهشة للغاية، كما نقشت جدران الحرم وتيجان الأعمدة.
وقد تمت تلك الزخارف الأندلسية بأيدي عمال مغاربة مدربين مهرة.
وقد الأروقة المحيطة بالمسجد قباب أخرى جميلة اتكأت على أعمدة، وقد بلغ عدد القباب ـ كما يقول الأستاذ هاشم الأعظمي ـ ستاً وعشرين قبة.
مشهد أبي حنيفة النعمان:
ومشهد أبي حنيفة يقع في الجهة الشرقية متصل بالمصلى، له باب عن يسار المستقبل لها.
وقد نقشت آية الكرسي على قبة المشهد من الجهة الخارجية بحروف كبيرة على شكل حزام، وأحيط المحراب البديع بإفريز من الكاشاني كتب فوقه قول الله عز وجل:{فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب}... إلى قوله بغير حساب).
ويضم هذا المشهد هدايا ثمينة، منها 32 قنديلاً ذهبياً بعضها كبير وبعضها صغير وكما تضم مصحفاً ثميناً غلافه من الذهب المرصع بالجواهر، وقنديلاً ذهبياً كبيراً أهدته بنت السلطان مرادخان الرابع ـ واسمها قيا اسميخان ـ وغيرها من النفائس والشمعدان...
وقد كان للمشهد أوقاف منذ القديم يطعم منها كل زوار ومقيمو المسجد والمنقطعون للعبادة.
وفي جهة الشمال غرف ذات طابقين ومن جهة الشرق غرف ذات طابق واحد .
وخلف المصلى والمنارة المدرسة العلمية "وقد جددت وسميت كلية الشريعة" وفيها غرف كثيرة.
المحراب والمنبر البديعان:
وكان في الحرم محرابان واحد في وسطه، والآخر قرب الزاوية الشمالية، وقد ترك هذا الأخير وهجر، بينما حظي المحراب الرئيسي بعناية شديدة، فله عضادتان من كل جانب من الرخام الجميل، ثم نصف قبة المحراب مخروطة الشكل يعلوها هلال أنيق التي تزخرفها المقرنصات المتشابكة يحيط بها مستطيل مشحون بالنقوش توج بلفظ الجلالة ( الله ) المكتوب بحروف بارزة.
وكان لمسجد أبي حنيفة رحمه الله منبر قديم مبني بالجص والطابوق ومبلط بالمرمر الموصلي يبعد عن المحراب متر ونصف.
وقد هدم وشيد مكانه منبراً آخر يبعد عن المحراب بحوالي مترين، ورفع إلى 14 درجة، ولبّس بالمرمر الإيطالي الأبيض الأسود.
وللمسجد ثلاثة أبواب كبيرة رئيسية، خصص أحدها لكبار الزوار، وجعل فيه سلم يصل الصاعد فيه إلى مقصورة معدة للضيوف.
وكان في المسجد أيضاً غرف كثيرة بلغت أحياناً أكثر من 34 غرفة، يسكنها طلاب العلم والغرباء وبعض المنقطعين للعبادة، وأمام كل غرفة ايوان.
بناء متداخل... قديم وحديث:
ويتداخل البناء القديم في مسجد أبي حنيفة بجدرانه البالغة سمك مترين مع البناء الحديث المتخذ من الأسمنت المسلح بالحديد.
فعلى سبيل المثال هدم اثنان من الأبواب الرئيسية عند تجديد السور وبني الباب المسمى بباب بغداد، على شكل أقواس أربعة ذات أبواب حديدية، وطعمت الأقواس بالفسيفساء الايطالي، كما وضعت داخل الأبواب كواكب نحاسية للتزيين.
وأما السور فقد رفع إلى طول مترين، ووضعت فيه شبابيك حديدية داخل زخرفتها نجوم نحاسية جميلة.
وفي بيت الصلاة وسط قبة المحراب في جامع الإمام أبي حنيفة تتدلى ثريا ضخمة تزين وتنور المكان بما حوته من 400 مصباح، وقطرها ثلاثة أمتار وارتفاعها متر ونصف، وكأنها وهي تزهر بالقناديل مجرة في كبد السماء.
وقد فرش بيت الصلاة عام 1288هـ بالسجاد الإيراني الثمين الفاخر، وقد كانت فيه سجادة كبيرة مساحتها 120م2 قدمت هدية إلى الجامع من قبل صانعيها من تلامذة أبي حنيفة ومحبيه.
كلية الإمام الأعظم العلمية:
وتبلغ مساحة الجامع بما فيها من ساحات وصحن للمسجد اكثر من (15) ألف متر مربع من ضمنها كلية الشريعة الملحقة بالجامع.
وقد كانت في أول الأمر مدرسة ذات مدرسين وحلقات وترتيب خاص على النمط القديم المتبع في حينه، وكانت تلك المدرسة موطن العلماء ومآب الساعين من طلاب العلم في شتى فنونه، حتى حمل التاريخ اسماء ثلة من مدرسيها وطلابها، أمثال أبي القاسم الزيني وابي الفضل شجاع وأبي الحسن اليزدي وتاج الدين السباك.
إلا أنه في عام 1328هـ ـ في عهد السلطان محمد رشاد ـ أعيد تنظيم المدرسة، وأدخلت فيها العلوم الحديثة إضافة إلى العلوم الدينية، وسميت كلية الإمام الأعظم.

وفي عام 1352هـ أبدل اسمها إلى دار العلوم، وكان من أشهر مدرائها في تلك الفترة الشيخ سعيد النقشبندي والشيخ نوري الشيرواني والحاج نعمان الأعظمي
وفي عام 1365هـ أعيد النظر في أنظمة تلك الكلية، وأدخلت عليها بعض التعديلات، وسميت كلية الشريعة، وعين عميداً لها الشيخ العلامة حمدي الأعظمي، وهو من المتميزين بالعلم والإدارة.
وقد تخرج بهذه المدرسة أو الكلية أو الجامعة في مختلف مراحل تطورها الحديث قوافل من الدارسين شهد لهم العلماء بالفضل والسبق وكانوا خيرة قومهم علماً ومسلكاً، وأصبحت النسبة إلى الجامعة الأعظمية وسام شرف يحملونه فيقال فلان بن فلان الأعظمي، أي من خريجي كلية الإمام الأعظم.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة