 |
|
أشهر القصائد في مديح النبي صلى الله عليه وسلم لباقة من شعراء العصر الحديث
|

المدائح النبوية ... في العصر الحديث
تزداد في العصر الحديث حاجة المسلمين إلى الالتصاق بالسيرة النبوية حتى لا يفقدوا هويتهم وانتسابهم إلى الدين، وينسوا تاريخهم الزاهر، وتنقلب لديهم المفاهيم والمبادئ، وتتغير الثوابت والقناعات بسسب ما يتعرضون له من غزو ثقافي وهجوم إعلامي وحرب مبادئ لم يسبق لها في التاريخ البشري مثيلٌ، إن في السيرة النبوية سراً عجيباً وتأثيراً غريباً، فهي الأرض الواقعية التي ينبت فيها القرآن الكريم، والتطبيق العملي للسنة الشريفة، وهي الفهم الصحيح للفقه والصورة النقية للعقيدة.
وفي هذا اللقاء أحاول إثارة كنز من كنوز السيرة النبوية استمر لصيقاً وقريباً من حياة المسلمين الحافلة.. إنه كنز المديح النبوي الذي هو لسان محبي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل جيل وعصر وأمة.
لقد مدح الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم مدحاً ما بعده مزيد، فجاء الخلق بعد ذلك مقصرين في حقه مهما اجتهدوا، ودون مقامه مهما تفننوا، وقد قال قائلهم :
|
أرى كلَّ مدحٍ في النبيِ مقصِّراً
|
|
وإنْ بالغَ المُثْني عليه وأَكْثَرا
|
|
إذا اللهُ أثنى بالذي هو أهلُـه
|
|
عليه، فما مقدارُ ما تَمْدَحُ الورى
|
وقال لسان الدين بن الخطيب :
|
فماذا عسى يُثني عليك مقصرٌ
|
|
ولم يألُ منك الذكرُ مَدْحاً ولا حَمْدا
|
وقال أيضاً :
|
مَدَحَتْك آياتُ الكتاب فما عسى
|
|
يُثني على عُلياك نَظْمُ مديحي
|
|
وإذا كتابُ الله أثني مُفْصِحاً
|
|
كان القُصور قُصَارَ كلِ مديحِ
|
- قوافل مداّح رسول الله مستمرة:
ولم يخل عصر من العصور ولا زمن من الأزمنة، ولا أمة من أمم الإسلام ولا شعب من شعوب المسلمين من مُدّاحٍ كُثُرٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال الشيخ يوسف النبهاني (المجموعة النبهانية 1/16) : اعلم أن مداح النبي صلى الله عليه وسلم في كل عصر ومصر كثيرون لا يحصيهم عد، ولا يحيط بهم مد، ولو جمعت مدائح أهل عصر واحد منهم لبلغت عدة مجلدات.
وكثير من مداح رسول الله r نظموا في ذلك دواوين على أنحاء مختلفة، وبعضهم التزم في شعره أموراً لا تلزمه كالوتري والطرائفي والفازازي ومن تبعهم كالشهاب أحمد المنيني الشامي، فقد نظموها عشرات وعشرينات على حروف المعجم، والتزموا أن يكون أول حرف في كل بيت كحرف القافية، وبعضهم جعل جميع القصيدة حروفاً مهملة (أي بلا نقط) والبعض جعلها على عدة قوافٍ وغير ذلك من تفننات الشعراء.
- الحكم التكليفي لمدح رسول الله r:
مدح رسول الله r مستحب مستحسن مسنون، وهذا حكم فقهي لم يخالف فيه أحد من المسلمين. جاء في الموسوعة الفقهية (مدح ف 4) دأب العلماء على مدح النبي r بعظيم قدره عند ربه ومنزلته، وما خصه الله به في الدارين من كرامته. قال القاضي عياض في كتابه العظيم "الشفاء بتعريف حقوق المصطفى" (1/215) : لا خلاف أنه r أكرم البشر وسيد ولد آدم، وأفضل الناس منزلة عند الله، وأعلاهم درجة وأقربهم زلفى. وكان لـه r شعراء يصغي إليهم، منهم حسان بن ثابت وعبدالله بن رواحة رضي الله عنهما، وقد مدح كعب بن زهير رضي الله عنه النبي r بقصيدته (بانت سعاد) فأثابه على مدحه ببردته الشريفة r .
ـ المدائح النبوية من المنظور الفقهي أقسام ثلاثة:
القسم الأول :المديح المتفق على قبوله، الذي لا يخالف أحد فيه، ولا يشذ أحد في منازعته، وإنما هو مأخوذ من صحيح الأخبار وواضح الألفاظ وجلي الفهم . وهذا قسم كثير موفور.
القسم الثاني: المديح المتفق على رده وإنكاره والزجر عنه، وهو ما خرج برسول الله عن حد العبودية لله، فأوصله إلى رتبة الألوهية والفعل المطلق في الكون ونسبة حدوث الأشياء وأحداثها إليه حقيقة وصراحة. فهذا واضح في الكفر جلي في المنع. وهو قليل مردود بل يكون نادراً معدوماً لا وجود له.
وأكاد أجزم أنه لم يعرف عن أحد من مداح رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروفين مثل ذلك فيما أعلم والله أعلم. فقد عصم الله نبيه من أن تضل أمته وتهوي إلى الشرك فيه أو بسببه.
القسم الثالث: المديح المختلف فيه بين القبول والرد، والأخذ به والمنع عنه، وهذا راجع إلى مبالغات بعض المادحين، أو أخذهم ببعض ما ليس بقوي السند من الأخبار والآثار، أو فهمهم بعض النصوص على وجه محتمل لم يوافقهم غيرهم فيه.
وهذا النوع من المديح هو الذي يثير الجدل واللغط عند بعض المتشددين، ناسين أو متناسين أن المبالغة، واستعمالَ المجاز والتورية والكناية والاستعارة طبيعة في الشعراء، لم ينه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستمع إليهم في مدحهم له.
ـ مدائح العصر من أهل كل مصر
وإذا كنت أعجز من أن استوفي مديحه صلى الله عليه وسلم، أو أوفيه كامل حقه من البحث والحديث، في عجالة من الوقت، وضعف من الجهد، فإنني سأقتصر هنا على طائفة من أشهر مدّاحه صلى الله عليه وسلم في العصر الحديث: في المائة سنة الأخيرة من زمننا، وأبرز ما فاضت به قرائحهم وما تفتقت عنه أذهانهم، مما يدل على أن جذوة - حبه صلى الله عليه وسلم – لا زالت في النفوس متقدة حية.
وأجتهد أن تكون مدائحه r التي جمعتها هنا متنوعة في أساليبها ومواضيعها وبلدان أصحابها وشعوب قائليها ولغات ناظميها ومستوياتهم الاجتماعية والعمية... لأثبت وأبرهن على أن مدحه r الذي هو وليد حبه لا زال شلالاً متدفقاً ونبعاً فياضاً هادراً في هذا العصر على ألسنة المسلمين كما هو الحال من قبل في كل العصور سواء بسواء. وقد جمعت قصائد في مديحهr للشعراء التالية أسماؤهم :
من مصر : أحمد شوقي ومحمود سامي البارودي ومحمود محمد بكر هلال ومحمد هارون الحلو وعبد الغفار حامد هلال ومود التهامي
ومن الكويت : عبد الجليل الطبطبائي وخالد سعود الزيد وخالد محمد الفرج وندى الرفاعي
ومن البحرين: أحمد محمد الخليفة والحسيني مصطفى الريس
ومن السعودية : محمد أمين الكتبي وعبد الرحمن العشماوي
ومن سوريا : عيسى البيانوني وعمر أبوريشة وعمر بهاء الدين الأميري ومحمد القولي وضياء الدين الصابوني
ومن اليمن عبد القادر جيلاني بن سالم الخرد
ومن فلسطين يوسف اسماعيل النبهاني
ومن تونس محمد الناصر الصدام
ومن موريتانيا التراد بن العباس
ومن السودان حسن ابراهيم الأفندي
ومن الهند حبيب الرحمن العثماني وأنور شاه الكشميري ومحمد يوسف البنوري
ومن الداغستان نجم الدين دنوغونه
وقد مدحه صلى الله عليه وسلم شعراء غير مسلمين من العرب وغير العرب
منهم : عبد الله يوركي حلاق وخليل مطران وجورج صيدح ورشيد سليم الخوري وإلياس فرحات ومارون عبود ومحبوب الخوري الشرتوني وفولفانغ فون غوته .
ونستفتح مدائح أمير الشعراء أحمد شوقي من مصر لرسول الله صلى الله ليه وسلم باستعراض مقاطع وأبيات من رائعته الأولى (الهمزية النبوية) :
وُلِدَ الهدى فالكائناتُ ضياءُ وفمُ الزمانِ تبسّمٌ وثناءُ
الروحُ والملأُ الملائكُ حولَه للدينِ والدنيا به بُشْراءُ
نُظمتْ أسامي الرسلِ فهي صحيفةٌ في اللوحِ واسمُ محمدٍ طُغَراءُ
اسمُ الجلالةِ في بديعِ حروفِه ألفٌ هنالك واسمُ طه الباءُ
يا خيرَ من جاءَ الوجودَ تحيةً من مرسلينَ إلى الهدى بك جاءوا
بك بشَّر اللهُ السماءَ فزُيّنتْ وتضوّعتْ مِسكاً بك الغبراءُ
وبدا محياك الذي قَسَماتُه حَقٌ، وغُرتُه هدى وحَياءُ
لي في مديحِك يا رسولُ عرائسٌ تُيِّمْنَ فيك وشاقَهن جَلاءُ
هنَّ الحِسانُ فإنْ قبلتَ تكرُّماً فمُهُورُهُنَّ شفاعةٌ حَسْناءُ
وله أيضا
تجلّى مولدُ الهادي وعمتْ بشائرُه البواديَ والقِصابا
وأسدتْ للبريّةِ بنتُ وهبٍ يداً بيضاءَ طَوّقتِ الرقابا
لقد وضعتْه وهّاجاً منيراً كما تَلِدُ السمواتُ الشهابا
فقامَ على سماءِ البيتِ نوراً يضيءُ جبالَ مكةَ والنِّقابا
وضاعتْ يثربُ الفيحاءُ مسكاً وفاحَ القاعُ أرجاءً وطابا
أبا الزهراءِ قد جاوزتُ قدري بمدحِكَ بَيْدَ أَنّ ليَ انتسابا
فما عرفَ البلاغةَ ذو بيانٍ إذا لم يتخذْكَ له كِتابا
مدحتُ المالكينَ فزدتُ قَدْراً وحين مدحتُك اقتدتُ السَّحابا
&&&&&
ويحلق بنا الشاعر عمر بهاء الدين الأميري السوري في سماوات الحب المحمدي ليحوّل هوى رسول الله صلى الله عليه وسلم دواء للقلوب العليلة، وطبّاً للأسقام المهولة. يقول في قصيدته الرائعة (الهوا دوا) بعد عارضٍ صحيٍ أَلَمّ به فجأة وهو في المدينة المنورة:
تصاعد ضغطُ الوجدِ فانخفضَ الضَّغْطُ ورِيعَ الطبيبُ البَرُّ، واضطربَ الرَهْطُ
وقالوا: تَلَبَّثْ، قِيلَ: قد حَجَزوا له فَرَدَّ وجيبُ القلبِ: إياك لا تَخْطُ
فإنكَ تَشْكو الذنبَ والجذبَ والجَوَى وأحمدُ مِعْطاءٌ، وأنتَ له سِبْطُ
تعالَجْ به، زِدْ في الهوى، فالهَوى دَوا علاجُك فَرْطُ الحبِ، لا الحَبُّ والنَّقْطُ
ولا، لا تغادرْ روضة الطهرِ والسَّنا فكم في ظلامِ الذنبِ من نورِها وَخْطُ
لها نَفحاتٌ فأسالِ اللهَ فَيْضَها بلهفةِ حِبٍ، إنَّ محضَ الهوى شَرْطُ
لقد أَجْدَبتْ هذي القلوبُ وأَمْحَلَتْ وبالحُبِ فوقَ الطِبّ يُسْتخصَبُ القَحْطُ
ومَنْ يَنْتَسِبْ يَشْرُفْ، ومن يَقْتَرِبْ يَنَلْ جَدَا الله والقُربى هي الكَرَمُ الفَرْطُ
فقلتُ: أجلْ رُوحي ورَاحي ورَاحتي هَوَى المصطفى، لا لَنْ أُفَوِّتها قَطُ.
ويلتفت الشاعر الفذ عمر أبو ريشة من سورية بأبياته المصورة السلسة، ليرسم لنا ولادة رسول الله r ويتمه وطفولته وكفالة عمه أبي طالب له يقول:
بَسَمَ الطفل للحياةِ وفي جَنْبيه سرُّ الوديعة الصَّماءِ
هبَّ من مَهدِه، وَدَبَّ غريبَ الدارِ في ظِلّ خيمةٍ دَكْناءِ
تَتَبارى حليمةٌ خَلْفه تَعْدو وفي ثغرِها افترارُ رِضاءِ
عَرفتْ عنه طَلْعَةَ اليُمنِ والخيرِ إذا أجدبتْ رُبَى البيَداءِ
وتجلّى لها الفِراقُ فأغفتْ في ذُهولِ وأَجْهَشتْ بالبكاءِ
عادَ للربعِ أينَ آمنةٌ والحبُّ والشوقُ في مجالِ اللقاءِ
ما ارتوتْ منه مُقْلةٌ طالما شَقّتْ عليه ستائرَ الظلماءِ
يا اعتدادَ الأيتامِ باليتمِ كَفْكِفْ بعدَه كلَّ دمعةٍ خَرْساءِ
أحمدٌ شبَّ يا قريشُ فتيهي في الغِواياتِ واسْرحي في الشقاءِ
وانْفُضي الكفَّ من فتى ما تَرَدى بِرداءِ الأجدادِ والآباءِ
أنتِ سميّتِه الأمينَ وضَمَّخْتِ بذكراه نَدوةَ الشعراءِ
وأخيراً يصل أبو ريشة إلى الصفحة الأخيرة من حياة رسول الله r، فلا يفوته أن يتناول ذلك ببديع التعبير وجميل الوصف:
وَجَمَ المؤمنون في رَهْبةِ الظنِّ وناموا على رُؤىً سوداءِ
وتَمَطَّى على المدينةِ صُبحٌ كاسفُ الوجهِ قاتمُ الأفياءِ
أحمدٌ ودَّعَ الحياةَ فيا فاروقُ أقصرْ ما فيك من غَلْواءِ
كلُّ حيٍّ رهنُ الفناءِ وتبقَى آيةُ اللهِ فوقَ طوقِ الفناءِ
يا عروسَ الصحراءِ ما نَبَتَ المجدُ على غيرِ راحةِ الصحراءِ
كلما أغرقتْ لياليها في الصمتِ قامتْ عن نَبْأَةٍ زَهْراءِ
وَرَوَتْها على الوجودِ كِتابا ذا مُضَاءٍ أو صَارماً ذا مَضاءِ
فأعيدي مجدَ العروبةِ واسقي مِنْ سَناهُ محاجرَ الغَبْراءِ
قد تَرُفّ الحياةُ بعد ذبولٍ ويلينُ الزمانُ بعدَ جفاءِ
&&&&&&&&&&
وفي قصيدته (النبي محمد) يغرد شاعر الخليج خالد الفرج بمدحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول :
بمحمدٍ – صلُّوا عليه وسلِّموا - قد أشرقَ الكونُ البهيمُ المُظْلمُ
ليلٌ عليه الشركُ مَدّ رُواقَه فهوتْ به شُهُبٌ وخَرّتْ أَنْجمُ
هي كالنِّثارِ من المَلائكِ للوَرَى فَرَحاً به، ولكلِ عاتٍ تَرْجُمُ
وتقدَّمَتْه من الخَوارقُ جُملةٌ شُدِهَ القُسوسُ لها، وحَارَ القيّمُ
نورُ الهدى كالصبحِ لاحَ فأُخمدتْ نارُ المَجوسِ ولم تَعُدْ تَتَضَرَّمُ
وتهاوتِ الأَصنامِ من عَليائِها كادتْ لفرطِ سُقوطِها تَتَحَطَّمُ
وكأنما الإرهاصُ يَنطِقُ واعظاً لو يفهمُ القولَ الأَصَمُّ والأَبكمُ
ولدتهُ آمنةٌ أَغَراً أَبْلَجاً بَشَراً بناموسِ النبوةِ يُختَمُ
وعليه من سِيما الكمالِ مَخائلٌ تُجْلَى إذا ما شامَها المتوسِّمُ
&&&&&&&&&
وينتقل الشاعر الكويتي عبد الجليل الطباطبائي إلى امتداح كفّ المصطفى صلى الله عليه وسلم في عطائها ودعائها. يقول:
له رَاحةٌ بالجُودِ يَهْمِي غَمَامُها ولم يَكُ للملهوفِ عن وِردِها صَدُّ
وفيها لَدَى البَأْساءِ للبائسِ الغِنَى وفيها صُنوفُ اليُمْنِ يُغْنَى به الوفْدُ
وفيها الحَصَى والزادُ سبَّح جَهْرةً ومنها ثِمارُ الغَرْسِ من عامِها تبدو
بها اتَّقَدَتْ بالنّورِ عَيْنُ قَتَادةٍ وقد رَدَّها من بعد ما مَسَّها الخدُ
ومسَّ بها رأسَ الأُقيرعِ فاغْتَدى على حُسنِهِ يَزْهو به الشَّعْرُ الجَعدُ
جَرَى الماءُ من بين الأَصابِعِ فارْتَوى مِراراً به جَيْشٌ وقد عَذُبَ الوِردُ
وكم فازَ راجٍ بالمنى من دُعائِهِ وأحيى قلوباً منه أَمْرَضَها الحِقْدُ
دَعَا اللهَ في إكثارِ تَمْرٍ لجابرٍ وكانَ لبَعْضِ الدَّينِ قد قيلَ لا يَعْدو
وما جَاعَ غزوٌ كان منهم محمدٌ إذا قَلَّتِ الأزوادُ يَدْعو فترتَدُّ
دَعَا لِعَليٍّ لا يَهي البَرْدََ جِسْمُه فَعَاشَ ولا حَرٌّ يُلِمُّ ولا بَرْدُ
وكم من مَرِيضٍ مُدْنَفٍ قد دَعَا له فعُوفِيَ مما كان يُضْني فَيَشْتَدُّ
لِأُمِّ سُلَيمٍ في ابنِها أَنَسٍ دَعَا فَفَاضَ عليه المالُ والعُمْرُ والوِلْدُ
ومَزَّقَ كِسْرى طُرْسَه (كتابه) فَدَعا فما رَسَا ملكُهُ. والفَرْعُ مزَّقَ والجندُ
ويناجي الشاعر السيد عبدالجليل الطباطبائي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول:
فيا خيرَ خَلْقِ اللهِ مَجْداً ومَحْتدا ونَفْساً وأَخْلاقاً بها عُرِفَ المَجْدُ
أتيتُ إليكَ اليومَ أَطْوي سَباسِباً قِفاراً يُباريني بها الخَوْفُ والكَدُّ
وفارقتُ أَخْداني ودَاري وجِيرتي ولم يَغْلُ عندي المالُ فيك ولا الوِلْدُ
ومالي بهذي الدارِ غيرُك مَأْرَبٌ ومالي سِوى فَيّاضِ إحسانِكم قَصْدُ
تَرَاني كشفتُ الرأسَ أُنشِدُ واقِفاً قد انحَلَّ من دمعي على شَيْبَتي عِقْدُ
أتيتُكَ أشكو عِبءَ ظَهْري بما جَنَتْ يَدايَ، فإني بالمآثِم مُمْتَدُّ
يدُ الغَفْلةِ استولتْ على القَلْبِ عَنْوةً فَمَالي إلى قَلبي صُدورٌ ولا وِرْدُ
وطالتْ إِساءاتي فَوَجْهُ صَحيفَتي بِرَسْمِ الخطايا والقبائحِ مُسَوَّدُ
وقد كَبِرتْ سِنّي ولم أَرَ قوّتي تُطيقُ من الأعْمالِ ما به يُعْتَدُّ
وأنتَ لنا الجاهُ العَريضُ لك الثّنا لكَ المَنْصِبُ العاليِ من اللهِ والمَجْدُ
فهَبْ ليَ من فَيّاضِ هَدْيكَ نَظْرَةٌ ليُجْلى بها القلبُ الصَّدِيُّ فيمتدُّ
وَأَحْيا على الهَدْيِ الذي جئتَنَا به وَمَوْتي على توحيدِ مَنْ لا لَهُ نِدُّ
وشاعرة الحرمين السيدة ندى الرفاعي، وهي تمتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم رقيقة الأحاسيس، شفافة الرؤية عميقة الحب لرسول صلى الله عليه وسلم. تقول في قصيدتها (إلى المدينة المنورة):
رُوحيَ الظمْأى في الدروبِ لم تَزَلْ تَسألُ غفّارَ الذنوبِ
أنْ يَلمَّ الشمْلَ بالنورِ الحبيبِ رغمَ تَقْصيري وَقَد بانتْ عُيوبي…
عائُدٌ قلبي إليكم والمصيرُ كلما مَرَّ زمانٌ ومَسِيرُ
شِدةُ الوجدانِ والحبُّ الأثيرُ فمضى يَتبَعُكم صَبٌّ أسيرُ…
يا رسولَ اللهِ قد طالتْ سنيني بعدَكم لا غَدْوةٌ تَشْفي حَنيني
أَتُراني في مَنامِي أم يَقيني هانَ باللقْيَا انتظارِي وأَنيني…
صاحبَ المحرابِ أشجاني اشتياقُ خاطبتكَ الروحُ والدَّمعُ المراقُ
أَبتغي وَصْلاً إذا آنَ الفِراقُ أبداً أُفديك والعهدُ وثاقُ...
يا دليلَ الناسِ في خيرِ طريقِ مَنْبَعَ الأخلاقِ والقولِ الصدوقِ
في هَواكمْ طابَ لي أَزْكى الرحيقِ نَفْحَةٌ تُذْهِبُ عني كلّ ضِيقِ...
يا أبا الأيتامِ ذا القلبِ الرحيمِ سَيّدَ الإحسانِ والبَرِّ الكريمِ
ولقد أقبلتَ بالمَسْعَى القَويمِ تُبْرئُ الخَلق من الشركِ الذَّميمِ...
فَلَكمْ علمتَنا حبَّ العَطاءِ ولكمْ أَرسيتَ في بَرِّ النقاءِ
حينما أسَّستَ بُنيانَ الوفاءِ مَرْسَلاً بالحقِ من ربِ السماءِ...
أنتمُ في الدهرِ كالدُّرِّ الفريدِ يا شَفيعاً عند توابٍ حَميدِ
ولقد شرّفَ ذِكراكم قَصيدي ولقد زانَ بمرآكُمْ وُجودي...
وإذا وقفنا مع الشاعر التونسي محمد الناصر الصدام في قصيدته (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) تراءت لنا معان جديدة من الحب والمديح :
لا دَرَّ دَرِّي ولا بُلِّغْتُ أَوطَاري إنْ لم أُجِدْ في رَسولِ اللهِ أشْعاري
في سيدٍ ظُلمةُ الدنيا بهِ انْقَشَعتْ لمّا أفاضَ عليها فَيْضُ أنوارِ
في مَنْ سَنَا هَدْيِهِ عمَّ البسيطةَ مِنْ سَهْلٍ وَوَعرٍ وأنجادٍ وأغْوارِ
مَنْ لاَحَ بدراً على الأكوانِ فاقتَبَسَتْ من نورِهِ كلُّ أَصْقَاعٍ وأقْطارِ
محمدٌ مُنْقِذُ الدنيا وسيدُّها عَيْنُ الوجودِ وأسنى صَفْوةِ الباري
عَمَّ الخَليقةَ إحساناً وَمَرْحَمةً وطَهَّرَ الأرضَ من شرْكٍ وأقذارِ
ومِنْ ضَلالٍ ومن جَهْلٍ ومن عَمَهٍ ومن عِبادةِ أوثانٍ وأحجارِ
من نورِ طهِ على الأكوانِ قد سَقَطتْ شمسُ الحقيقةِ، لم تُحْجَبْ بأستارِ
أنتَ الذي اختاركَ الرحمنُ وَاسِطةً لخلقِهِ مُنْتَقىً من نَسْلِ أطهارِ
من خصَّهُ اللهُ فينا بالشَّفَاعةِ هَلْ يُقاسُ مِقدارُه السامِي بمِقْدارِ
بحَيْلِهِ أنا بعدَ اللهِ مُعْتَصِمٌ لَيْلِي وصُبْحي وآصَالي وأَبْكاري
يَهْواهُ قلبي وإنْ قَصَّرْتُ في عَمَلي واللهُ يَعْلَمُ إعلاني وإسْراري
زَادي وذُخْري وآمالي محبَّتُهُ منها مَنَابعُ إيرادِي وإِصْداري
يا مَشْرِقَ النورِ يا رُوحَ الوجودِ ويا مصباحَنا في دَياجِي هذه الدارِ
لو أنَّ ما في السما والأرضِ أَلْسِنَةٌ تُحْصِي مَزَاياكَ لم تَبْلُغْ لمِعْشارِ
ويرسل الشيخ السوري عيسى البيانوني أبيات الشعر في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مستعينا على ذلك بالاقتباس من كلام الله عز وجل في كتابه العزيز، وهذا يكاد يكون من فرائده، فلا ينظم بيتاً هنا من الشعر إلا ويضمنه أو يشير فيه إلى آية أو بعض آية من كتاب الله سبحانه.
صلوا على الحبيب طه الهادي (تزودوا فإن خير الزادِ)
إن رمتموا التقريب والتكريما (صلوا عليه وسلموا تسليما)
تواضعاً قد ركب البعيرا (والخيلَ والبغال والحميرا)
لما البعيرُجاءَه ولاذا (قال الذين كفروا : إنْ هذا)
كان حبيباً سيداً صَفِياً (وكان عند ربه مَرْضياً)
صلوا على من قال ربِّ أمتي (لا تحزنوا وأبشروابالجنة)
فقل لمن في حبه قد عذلا (إني أمرت أن أكون أولا)
قد أفلحوا من خَفَضوا للهِ (أصواتهم عند رسول اللهِ)
منجي الورى يومتقوم الساعةُ (يومئذٍ لا تنفع الشفاعةُ)
إلا التي خير الورى ينالُها (دانيةً عليهمو ظلالُها)
صلوا على شفيعنا هادينا (إلى صراطٍ مستقيمٍ دينا)
فاضَ لكلِ الخلقِ منه وَدْقُ (وشهدوا أنَّ الرسولَ حقُّ)
قد هيأ اللهُ له لما دعا (من كلِ شيءٍ سبباً فأتبعا)
فإنْ أَبَوا أن يسمعوا ما يحيي (قلْ إنما أُنذرِكم بالوحيِ)
وكلما للمعجزات بَيّنا (قال الذين كفروا لن نؤمنا)
وبحرُ جودِه لهم بسيطُ (والله من ورائهم محيطُ)
تُعْساً لمن يُبغضُ ما أبعدهْ !! (يَحْسَبُ أنَّ مالَه أخلدهْ)
كم قال قولاً مُعْرِباً عن فضلهِ (لبثتفيكم عُمُراً من قبلهِ)
صلوا عليه تَغنموا العزَّ المصونْ (ود الذينكفروا لو تغفلون)
تلك القرى نَبَؤُها يا قاسمُ (نقصُّه عليكمنها قائمُ)
كم قريةٍ لما خلت من حبكا (طاف عليها طائف من ربكَ)
آيات وجدٍ لتذيبَ العاشقينْ (ولِتكونَ آيةً للمؤمنينْ)
كم فتيةٍ في البَرِّ تبغي حجةً (لمارأته حَسِبَتْهُ لُجةً)
وكم محبٍ قاصدٍ للجمرةِ (اقبلتِ امرأتُه في صَرّةِ)
قد عَشِقوا طه وآمنوا بمنْ (أوحى إليهم ربهمْ لَنُهْلِكَنْ)
طائفتا حبِّ أبي الزهراء (إحداهُما تمشي على استحياءِ)
قِسْمٌ لقد جاءوا وهم أفواجُ (وآخرُ من شكله أزواجُ)
وكلهم من فرحٍ في عاليهْ (يقولُ هاؤوم اقرءوا كتابيهْ)
في حبه الأوطانَ يهجرونا (أولئك الذين يؤمنونا)
وافى إلى الدنيا الشفيعُ الأشرفُ (قل يا عباديَ الذين أسرفوا)
سبحانَ من أبدعه وصورهْ (من نطفةٍ خلقه فقدرهْ)
محبُّه في الحشرِ ذو انتعاشِ (يومَ يكون الناس كالفراشِ)
لمبغضيه الويلُ كل الويلِ (من قوةٍ ومن رباط الخيلِ)
كم صوبوا سهامَ لومٍ صائبهْ (من قبلِ هذا فاصبرإنَّ العاقبهْ)
قد أسبغَ الله به لآمنهْ (نِعَمَه ظاهرةً وباطنهْ)
وقلبُها من السرور طابا (فاتخذتْ من دونهم حجابا)
كأنها من لطفهِ إذ تضعُ (في جنةٍ عالية لا تسمعُ)
من حسنهِ قد ازدهتْ جمالا (وفُتحتْ أبوابُها وقالا...)
&&&&&&&&&&
ومن مديح الشيخ الفلسطيني يوسف النبهاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما يذكر له أنه نظم أوزان بحور الشعر الستة عشر في مدحه صلى الله عليه وسلم، ليسهّل معرفةَ بحور المدائح النبوية بالقياس على أبياته هذه، أو أن يجعل ميزان الشعر العربي كله مقيساً على مديحه صلى الله عليه وسلم.
فالبحر الأول : الطويل. قال:
أجلْ ليسَ للهادي الشفيع مماثلُ هو البحرُ لم يعرفُ له قطُّ ساحلُ
والبحر الثاني : المديد ، قال فيه :
أيَّدتْ خيرَ الورى معجزاتُ كُلُّها آياتُها بَيّناتُ
والبحر الثالث : البسيط ، قال فيه:
للمصطفى مِلّةٌ دانتْ لها المِلَلُ وشرعُه أشرقتْ من نورِه السُّبُلُ.
والبحر الرابع : الوافر، قال النبهاني فيه:
علمتُ اللهَ ليسَ له مثيلُ وأنَّ محمداً نِعْمَ الرسولُ
والبحر الخامس : الكامل، وفيه يقول:
بمحمدٍ نورُ المعارفِ شاملُ لولاه ما عَرَفَ الفضائلَ فاضلُ
والبحر السادس : الهزج، قال فيه:
أتى المختارَ تنزيلُ بهِ قدْ جاءَ جبريلُ
والبحر السابع : الرجز، وفيه يقول:
خيرُ الورى طُرّاً وأَعْلى أفضلُ نبيُّنا المدَّثِرُ المُزَّمِلُ
أما البحر الثامن : الرَمَّل، فقال فيه:
طيبةُ طابتْ وهاتيك الجهاتْ شَمَلَتْها بالنبيِ البركاتْ
والبحر التاسع : السريع ، قال فيه:
ما تحتَ تهديدِ العِدا طائلُ نبيُّنا الهادي لنا كافلُ
والبحر العاشر : المنسرح ، قال النبهاني فيه:
خيرُ الورى بالكمالِ مُشْتَمِلْ بفضلِه الجمِّ يُضربُ المَثَلْ
والبحر الحادي عشر : الخفيف ، فيه يقول:
مِن هُدى المصطفى استفادَ الهداةُ واستنارتْ بنورِهِ النيّراتُ
وفي البحر الثاني عشر : المضارع ، يقول:
عُلا طه شامخاتْ على الزُّهرِ عالياتْ
أما البحر الثالث عشر : المقتضب ، يقول:
شرعُ طه مُكْتَمِلْ وهو عَدْلٌ مُعْتَدِلْ
وفي البحر الرابع عشر : المجتث ، يقول:
أئمةُ الشركِ ماتوا بسيفِ طه وفاتوا
وفي البحر الخامس عشر : المتقارب ، قال فيه:
سَمَا فوقَ هامِ السماءِ الرسولْ دنا فَتَدَلّى فكانَ القبولْ
وأخيراً البحر السادس عشر : المتدارك ، ويسمى الخبب. يقول فيه النبهاني:
الفَضْلُ تقاسَمَه الرُّسُلُ والكلُّ بأحمدَ مُكْتَمِلُ
شعراء غير مسلمين مدحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم
قافلة مديح رسول الله صلى الله عليه وسلم حفلت بأناس غير مسلمين، شاركوا لسبب أو لآخر في ملحمة المديح النبوي الرائعة.
1ـ هذا هو الشاعر الحلبي المبدع (عبدالله يوركي حلاق) في قصيدته الغراء (قبس من الصحراء). يقول بافتخار، مادحاً رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قبسٌ من الصحراءِ شعشعَ نورُه فجلا ظلامَ الجهلِ عن دُنيانا
ومشى وفي أردانِهِ عَبَقُ الهدى وأريجُ فضلٍ عطَّرَ الأكوانا
بعثَ الشريعةَ من غياهبِ رِمسِها فَرَعى الحقوقَ وفتَّحَ الأذهانا
مَرْحَى لأُمِّيٍ يُعَلِّمُ سِفْرُهُ نُبغاءَ يَعْرُبَ حِكمةً وبيانا
أمحمدٌ والمجدُ نسجُ يمينِهِ مَجَّدْتَ في تعليمك الأديانا
وَنَشَرْتَ ذِكرَ اللهِ في أُميّةٍ وثنيةٍ ونَفَحْتها الإيمانا
وأمرتَهَا بالبِرِّ فاعتزَّتْ به وتسابقتْ في نَشْرِها الإحسانا
إنّي مسيحيٌ أُجِلُّ محمداً وأراه في سِفْرِ العُلى عُنوانا
وأُطأطِئُ الرأسَ الرفيعَ لذِكْرِ مَنْ صاغَ الحديثَ وعلّمَ القرآنا
إني أُباهي بالرسولِ لأنه صَقَلَ النفوسَ وهذَّبَ الوِجْدانا
ولأنه داسَ الجهالةَ وانْتَضى سيفَ الجهادِ فحَطّم الأوثانا
ولأنه حَفِظَ العروبةَ وابْتَنَى للعُربِ مَجْداً رافقَ الأزمانا
صان الفَخَار البِكْرَ ذِكرُ محمدٍ وَهَفا، فشَنَّفَ باسمِهِ الآذانا
أَمعزِّزَ الفُصْحى ومُطْلِعَ شَمْسِها ذِكراكَ عيدٌ يُذْهِبُ الأشجانا
ذكراكَ تَجمعنا وتَجمعُ حولنا إخوانَ صِدْقٍ عانقوا الإخوانا
إنا حَلَفْنا أنْ نصونَ إخاءَنا بسياجِ عزٍّ لن يُمَسَّ هَوانا
2ـ وهذا الشاعر اللبناني الأصل، المصري الموطن، شاعر القطرين (مطران خليل مطران) ينطلق في عالم المديح الرحب، يجلجل بصوته، يقول:
عانى محمدُ ما عَانَى بهجرتِهِ لِمَأْرِبٍ في سبيلِ اللهِ محمودِ
وكم غَزَاةٍ وكم حَرْبٍ تَجَشَّمَها حتى يعودَ بتمكينٍ وتأييدِ
صَعْبانِ راضَهما: توحيدُ معشرِهم وأخذُهُم بعدَ إشراكٍ بتوحيدِ
وبَدْؤُه الحكمَ بالشورى يُتِمُّ به ما شاءه اللهُ من عدلٍ ومن جودِ
3ـ أما الشاعر المسيحي (جورج صيدح) وهو أحد الشعراء العرب في المهجر الجنوبي (أمريكا الجنوبية) فقد صرح بافتخاره بالنبي في قصيدته البليغة التي سماها (صحراء يثرب).
يا مَنْ سَرَيْتَ على البُرا قِ وجُزْتَ أشواطَ العَنَانْ
آنَ الأوانُ لأن تُجَدِّ دَ ليلةَ المِعْراجِ.. آنْ
عَرِّجْ على القُدس الشَّر يفِ ففيه أقداسٌ تُهانْ
ماذا دَهاهم ؟ هل عَصَوْ كَ فأصبحَ الغازي جَبَانْ؟
أنتَ الذي علَّمتَهم دفعَ المَهانةِ بالسِّنانْ
ونذرتَ للشهداءِ جنا تٍ وخَيْراتٍ حِسَانْ
4ـ ويتشرف الشاعر القروي (رشيد سليم الخوري) وهو مسيحي من شعراء المهجر، بإرسال تحية عطرة وسلام صادق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عيدُ البريةِ عيدُ المولدِ النبوي في المشرقين له، والمغربين دَوِيْ
عيدُ النبيِّ ابنِ عبدالله مَنْ طلعتْ شمسُ الهدايةِ من قرآنِهِ العَلَويْ
بدا من القفرِ نوراً للورى وهدى يا لِلتمدِّنِ عَمَّ الكونَ من بَدَويْ
يا فاتحَ الأرضِ مَيْداناً لدولتِه صارتْ بلادُك ميداناً لكل قَوِيْ
يا قومُ هذا مسيحيٌّ يُذكرُكُم لا يُنْهِضُ الشرقَ إلا حبُّنا الأخويْ
فإن ذَكَرتم رسولَ اللهِ تَكْرِمةً فبلِّغوهُ سلامَ الشاعرِ القَرَوِيْ
5ـ وهناك شاعر نصراني آخر من شعراء المهجر هو (إلياس فرحات) نظم قصيدة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم مملوءة بعاطفة جياشة وإعجاب واحترام
غَمَرَ الأرضَ بأنوارِ النبوَّهْ كَوكبٌ لم تُدْرِك الشمسُ عُلُوَّهْ
بينما الكونُ في ظلامٍ دامسٍ فُتِحَتْ في مكةٍ للنورِ كُوَّهْ
لم يكدْ يَلْمَعُ حتى أصبحَتْ تَرْقبُ الدنيا ومن فيها دُنُوَّهْ
يا رسولَ اللهِ إنا أمةٌ زجَّها التضليلُ في أعمقِ هُوَّهْ
ذلك الجهلُ الذي حاربتَه لم يزلْ يَظْهَرُ للشرقِ عُتُوَّهْ
قُلْ لأتباعِكِ صلّوا وادرسوا إنما الدينُ هدىً والعلمُ قُوَّهْ
6ـ أما الشاعر اللبناني (مارون عبود) شيخ النقاد العرب، فقد كان مغرماً برسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى درجة أن سمي ولده محمداً وبه يكنى، يقول
لولا كتابُك ما رأينا مُعْجِزاً في أمةٍ مرصوصةِ البُنيانِ
حَمَلَتْ إلى الأقطارِ من صحرائِها قبسَ الهدى ومطارفَ العمرانِ
هادٍ يُصَوَّر لي كَأَنَّ قَوامَه مُتَجَسِّدٌ من عُنْصرِ الإيمانِ
7ـ وهناك شاعر لبناني (محبوب الخوري الشرتوني) نظم قصيدته (قالوا تحب العرب) وقد ضمنها اعتزازه بالعربية، وفخره بمحمد صلى الله عليه وسلم.
قالوا: تُحِبُّ العُرْبَ؟ قلتُ: أُحبُّهم يقضي الجوارُ عَلَيَّ والأرحامُ
قالوا: لقد بَخلوا عليك؟ أجبتُهم: أهلي وإن بَخِلوا عليَّ كرامُ
قالوا: الديانةُ؟! قلتُ: جيلٌ زائلٌ وتزولُ معه حَزازةٌ وخِصامُ
ومحمدٌ بطلُ البريةِ كلِّها هو للأعاربِ أجمعينَ إِمامُ
8ـ أما الشاعر الألماني الكبير فولفانغ فونِ غوته ففي قصيدته (أغنية محمد) في ديوان (خيال وواقع) نظم دراما عن حياة النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوب مناجاة وحديث شعري، يتبادله كل من علي وفاطمة رضي الله عنهما. يقول غوته عنه صلى الله عليه وسلم:
بخطوة قائد ثابتة يجر معه مصادر أخوته
وتحت وطأة قدمه تنبت في الوادي زهور
وتحيا من أنفاسه مروج ولكن لا يصده واد ظليل
ولا زهور، اذ هي تطوق ركبته وتتملق له بعيون حبيبة
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الباحث العلمي بالموسوعة الفقهية
11/11/2009 م

مدح الله تبارك وتعالى رسوله الله صلى الله عليه وسلم
في القرآن الكريم

لاشك أن جميع من مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الماضي والحاضر، من أهل البوادي والحواضر، من ناظم أو ثائر أو شاعر، يستدل على استحسان مدحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الأطناب فيه والاسترسال في سرده من أجمل وأتم الأعمال، بما مدح الله سبحانه وتعالى به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز.
لقد مدح الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم مدحاً ما بعده مزيد، فجاء مدح الخلق بعد ذلك مقصراً في حقه مهما اجتهدوا، ودون مقام مهما تفننوا، وقد قال قائلهم :
|
فماذا عسى يُثني عليك مقصرٌ
|
|
|
ولم يألُ منك الذكرُ مَدْحاً ولا حَمْدا
|
أي لم يترك الكتاب الكريم ولم يغادر أي أسلوب في مدحك والثناء عليك.
وقال أيضاً :
|
مَدَحَتْك آياتُ الكتاب فما عسى
|
|
|
يُثني على عُلياك نَظْمُ مديحي
|
|
وإذا كتابُ الله أثني مُفْصِحاً
|
|
|
كان القُصور قُصَارَ كلِ مديحِ
|
وهانحن أولاء نشنف الأسماع ببعض مدح الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه العزيز :
1- قال الله تعالى في سورة (ن) يمدح رسوله بأرفع الأخلاق وأسماها وأجملها وأزكاها : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)
وهذا المديح والإطراء جاء ضمن إطار بديع جميل وهو الآيات التي سبقت وتقدمت عليه. قال تعالى (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4) قال الألوسي رحمه الله (1/51) وقد تدرج جل شأنه في وصفه صلى الله عليه وسلم بذلك في القرآن إلى أن قال سبحانه (وإنك لعلى خلق عظيم) وقال الألوسي أيضاً في تفسير هذه الآية (29/25) وإنك لعلى خلق عظيم لا يدرك شأوه أحدُ من الخلق، وبذلك تحتمل من جهتهم ما لا يحتمله أمثالك من أولي العزم. نعم لقد زكاه كله ربه تزكية دونها كل مديح.
2- قال الله تعالى في سورة التوبة عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم مادحاً : (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة:128)
قال القرطبي (8/39) (من أنفسكم) يقتضي مدحاً لنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وخالصها. وقرأ عبدالله بن قسيط المكي (من أنفَسكم) بفتح الفاء من النفاسة، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها، أي جاءكم رسول من أشرفكم.
وأفضلكم من قولك : شيء نفيس : إذا كان مرغوباً فيه. ثم قال : قال الحسين بن الفضل : لم يجمع الله لأحد من أنبيائه اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه قال: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: من الآية128) وقال: (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(البقرة: من الآية143). ونقل ابن الجوزي في زاد المسير (3/520) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سماه باسمين من أسمائه. وقال أبو عبيدة: رؤوف فعول من الرأفة وهي أرق من الرحمة، ويقال رؤف. وأنشد :
قال القرطبي (14/200) : هذه الآية فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين وتكريم لجميعهم وهذه الآية تضمنت من أسمائه صلى الله عليه وسلم ستة أسماء، ولنبينا صلى الله عليه وسلم أسماءُ كثيرة وسماتٌ جليلة ورد ذكرها في الكتاب والسنة والكتب المتقدمة.
وقال ابن تيمية في دقائق التفسير (2/470) : ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن السراج المعروف وإنما سمي سراجاً بالهدى الذي جاء به، ووضوح أدلته بمنزلة السراج المنير.
وقال الواحدي (2/868) سراجاً منيراً : يستضاء به من ظلمات الكفر.
وقال البغوي (3/535) : سماه سراجاً لأنه يهتدى به كالسراج يستضاء به في الظلمة.
وقال النسفي (3/309) : سراجاً منيراً جلا به الله ظلمات الشرك واهتدى به الضالون، كما يجلى ظلام الليل بالسراج المنير. ووصف بالإنارة لأن من السرج ما لا يضيء إذا قل سليطه ودقت فتيلته.
4- واقرأ إن شئت مطلع سورة النجم لترى كيف يطنب الله سبحانه وتعالى في مديح المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويسترسل فيه بأسلوب بديع معجز.
قال تعالى مقسماً على ذلك : (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى).
نعم كما قال بعضهم لقد زكى الله عقله في (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) (لنجم:2) وزكى الله لسانه في (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى) (لنجم:3) وزكى الله شرعه في (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) (لنجم:4) وزكى الله جليسه في (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (لنجم:5) وزكى الله فؤاده في (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (لنجم:11) وزكى بصره في (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى) (لنجم:17).
5- وفي سورة الضحى يقسم الله سبحانه بقوله (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) على أنه لم يهجر رسوله محمداً ولم يبغضه (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) (الضحى:3) وكذا أخبره أن ما ادخره له في الآخرة أعظم مما أعطاه في الدنيا (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى:4) وفوق هذا وذاك من عطاء الدنيا والآخرة فقد وعده (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (الضحى:5) ثم عدد عليه نعمه وأفضاله (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى) (الضحى:6-8) ولذا فما على رسول الله إلا شكر الله على نعمه بطاعته وإظهار فضله (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:9-11).
ومن هنا كان صلى الله عليه وسلم يقول مفتخراً بنعمة الله عليه (أنا سيد ولد آدم ولا فخر وبيدي لواء الحمد يوم القيامة).
ولعمري فإن سورة الضحى كاملة ينطق كل حرف فيها بالمديح والثناء على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لو فكر فيه العاقل لوجودها مديحاً وثناءً خالصاً.
6- وفي سورة الانشراح مثل ما في سورة الضحى من جميل المدح وبالغ الثناء وعظيم الإطراء.
اسمع قوله تعالى (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) والرفع في اللغة: الإعلاء سواء كان عادياً محسوساً أو معنوياً مجازياً. ويرى الزمخشري أن الله قرن اسمه باسمه في الشهادة، ويكفيه في رفع ذكره أنه لا يصدح مؤذن بالأذان إلا وقرن الشهادة لمحمد بالنبوة مع الشهادة لله بالوحدانية.
وقد أشار إلى ذلك شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه، إذ قال عنه صلى الله عليه وسلم:
|
|
|
|
|
وضم الإلهُ اسمَ النبي إلى اسمهِ
|
|
|
إذا قالَ في الخمسِ المؤذنُ: أشهدُ
|
وكما في الأذان والإقامة والتشهد والخطب فقد قرن اسمه باسمه في مواضيع عديدة من القرآن الكريم مثل قوله (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) (التوبة: من الآية62) وقوله (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) (الأحزاب: من الآية71) وقوله في الأمر الإلهي (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) (المائدة: من الآية92).
7- ومن أعظم مدح الله سبحانه وتعالى الرسول دفاعه عنه وتصديه لأعدائه والمفترين عليه، وهذا كثير لا حصر له في القرآن الكريم، فما يكاد يطلق عليه أعداؤه إشاعة أو فرية أو اتهاماً حتى يقف لهم القرآن الكريم بالمرصاد مفنداً ومكذباً لهم من جهة، ومادحاً ومثنياً على محمد رسول الله ومقسماً على جميل خصائل وعظيم شأنه من جهة أخرى.
لوحظ ذلك على سبيل المثال في سورة الحاقة إذ يقول سبحانه في كتابه العزيز (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (الحاقة:38-46).
8- ومن أعظم مدح الله سبحانه وتعالى لرسوله ما أمر المؤمنين بالأدب معه إذ يخاطبونه ويتحدثون إليه، فهو ليس كآحادهم، ولا كغيره من الملوك أو السلاطين، بل هو نجي الوحي وحبيب الرب ومصطفى الله.
قال تعالى في سورة الحجرات : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات:1-2) إلى أن قال سبحانه : (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ) (الحجرات: من الآية7) وقال سبحانه (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) (النور: من الآية63) وأمر سبحانه في سورة الأنفال بالانصياع لأمر رسول الله على أي حال فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ) (لأنفال: من الآية24). وكم ذم الله المجترئين عليه بقلة الأدب والجهل والبوار، وكم مدح المتأدبين معه ووعدهم بخير الحال والمآل ؟! (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) (الحجرات:4) و (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى) (الحجرات: من الآية3).
9- ومن أعظم مدح الله سبحانه وتعالى لرسوله أن جعل كثيراً من الآيات القرآنية تتوجه بالخطاب إلى الرسول نفسه، فهو أكثر من خاطبه ربه خطاباً صريحاً بما يقصده به وبما يقصد به المؤمنين أيضاً، فكأنه محل نظر الله الأول، وموطن الآيات المتنزلة من السماوات العلى. فطالما ناداه يا أيها النبي ويا أيها الرسول ويا أيها المدثر ويا أيها المزمل، وكم وكم قال : يسألونك أو يستفتونك أو ناداه بطه أو يس أو محمد أو أحمد.
10- إن مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم وإطراءه والثناء عليه وتعداد محاسنه وإعلاء مقامه ورفع شأنه والدفاع عنه وتصديق قوله وتحسين شريعة وذم أعدائه وتسفيه آرائهم وإنقاص قدرهم. منهج قرآني واضح، وسبيل رباني صريح، وطريق إلهي بيّن . . . . ومن هنا كان اقتداء المؤمنين والمؤمنات في مدح رسول الله والثناء عليه بكل وسيلة وأسلوب، وخصلة وفضيلة، وخلق ومكرمة، حتى نسجوا له برد المديح، وصاغوا فيه قلائد القصيد، وسطروا فيه ملامح الخلود :
|
حار الأنام بوصف أربع أحرف
|
|
|
حاء الحيا والدال والميمانِ
|
|
خير النبيين الكرام وتاجهم
|
الشيخ عبد الله نجيب سالم
3- وقال الله تعالى في سورة الأحزاب في معرض مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً) (الأحزاب:46)
وقال لسان الدين بن الخطيب :
|
أرى كلَّ مدحٍ في النبي مقصراً
|
الصفحة السابقة