رسائل بحثية تخصصية هادفة، يقدمها لفيف من طلبة العلم الجادين من أجل رؤية إسلامية صحيحة في جلسة في الكويت يشرف عليها الشيخ عبد الله نجيب سالم

العقل يدعو إلى الإسلام
إعداد الشيخ: عمر قاسم الأحمد*
الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى به نعمة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام. وبعد:
دأب أعداء الإسلام على نشر زعم باطل وكاذب: بأن الإسلام دين يبتعد عن العقل والمنطق، ولا دور للعلم فيه.
فنقول لهم: تعالوا لنبحث معاً عن الحقيقة المطلقة في هذا الكون، وفق الأساليب العلمية والعقلية البعيدة عن التعصب لرأي أو فكر. ثم بعد ذلك يكون الحكم النهائي الصحيح واضحاً جلياً.
ما هو العقل؟:
العقل هو: العلم بالمدركات الضرورية. وذلك نوعان:
أحدهما: ما وقع عن درك الحواس، والثاني: ما كان مبتدئاً في النفوس.
فأما ما كان واقعاً عن درك الحواس فمثل المرئيات المدركة بالنظر، والأصوات المدركة بالسمع، والطعوم المدركة بالذوق، والروائح المدركة بالشم، والأجسام المدركة باللمس.
وأما ما كان مبتدئاً في النفوس فكالعلم بأن الشء لا يخلو من وجود أو عدم، وأن الموجود لا يخلو من حدوث أو قدم، وأن من المحال اجتماع الضدين، وأن الواحد أقل من الاثنين. وهذا النوع من العلم لا يجوز أن ينتفي عن العاقل مع سلامة خاله، وكمال عقله.
فإذا صار عالماً بالمدركات الضرورية من هذين النوعين فهو كامل العقل وسمي بذلك تشبيها بعقل الناقة، لأن العقل يمنع الإنسان من الإقدام على شهواته إذا قبحت، كما يمنع العقل الناقة من الشرود. ولذلك قال عامر بن قيس: إذا عَقْلُك عَقَلك عما لا ينبغي فأنت عاقل.
وقال بعضهم: العقل: اسم يقع على المعرفة بسلوك الصواب، والعلم باجتناب الخطأ، فإذا كان المرء في أول درجته يسمى أديباً، ثم أريباً، ثم لبيباً، ثم عاقلا (روضة العقلاء ونزهة الألباء لابن حبان السبتي1/2).
** قال يوسف بن عمران الجصاص : سمعت صالح بن عبد الكريم ، يقول : « جعل الله عز وجل رأس أمور العباد العقل، ودليلهم العلم، وسائقهم العمل، ومقويهم على ذلك الصبر » (العقل وفضله 1/68 للحكيم الترمذي)
** العقل به يكون الحظ، ويُؤْنس الغربة، ويَنْفيِ الفاقة، ولا مال أفضلَ منه، ولا يتمُّ دين أحد حتى يتم عقله.
** أفضلُ مواهبِ الله لعباده العقلُ، ولقد أحسن الذي يقول:
وأفضل قَسْم الله للمرءِ عقلُهُ ... فليسَ من الخيرات شيء يقاربه
إذا أكملَ الرحمنُ للمرءِ عقلَهُ ... فقدْ كملتْ أخلاقهُ ومآربه
يعيشُ الفتى في الناس بالعقل إنه على العقل يَجْري علمهُ وتَجاَربهُ
يزيد الفتى في الناس جَوْدةُ عقلهِ .. وإن كانَ محظوراً عليه مكاسِبُهْ
التساؤل العقلي الكبير: من أوجد الكون؟؟ :
الكون موجود نشعر ونحس به ونشاهده ، فمن أوجد هذا الكون ؟ ولماذا أوجده ؟
هناك ثلاثة احتمالات في تفسير وجود هذا الكون وتأويله. الاحتمال الأول: أنه أزلي قديم ولا بداية له . والثاني: أنه وجد بطريق المصادفة . والثالث: أن لهذا الكون موجوداً وخالقاً جل شأنه.
فالاحتمال الأول القائل بأزلية الكون وقدمه تظهر صحته أو خطؤه من خلال معرفة أجزاء الكون وما فيه أهي أزلية أم حادثة؟! فالإنسان مثلاً: وجوده على سطح هذه الأرض أهو أزلي أم حادث؟؟
الإحصاءات العالمية في تعداد السكان تشير إلى أن العالم يقترب اليوم من ستة مليارات نسمة، وقبل نصف قرن كان تعداد البشرية أقل من هذا العدد بكثير، و كلما رجعنا إلى الماضي وجدنا أعداد البشرية أقل فأقل، وهكذا حتى نصل إلى أول إنسان وجد على ظهر هذه الأرض، فمن أوجد الإنسان الأول؟ ولماذا؟ أسئلة يثيرها العقل ويطلب الإجابة المنطقية عليها.
ثم نأتي ونبحث في تغير العالم وتبدله في طبيعته، ففي كل عام هناك شتاء وصيف وربيع وخريف، هذه الأزمنة وهذه التغيرات البيئية حادثة ومحدودة بمدة زمنية فالربيع يبدأ كل عام وينتهي في وقت، وهكذا بقية الفصول.
فالتغيرات البيئية وتقلب الأزمنة لا يمكن أن يكون أزلياً، لأنه مكون من أجزاء زمنية حادثة، فإذا كانت الأجزاء حادثة فهذا يعني أن الكل حادث، وكذلك وجود الحياة على سطح الأرض والحرارة ناتجة عن احتراق أجزاء بداخلها، فلو كانت الشمس أزلية لاضمحلت وذابت من الوجود من زمن بعيد، وهي الآن موجودة، فهذا يؤكد أنها في زمن ما وجدت الشمس، وستزول في وقت من الأوقات!!
والحياة على ظهر هذه الأرض مقترنة بما ترسله الشمس من حرارة وطاقة فالحياة على سطح الأرض حادثة أيضاً.
وتبين الدراسات العلمية الحديثة بأنه وبشكل دائم هناك انتقال حراري مستمر من الأجسام الحارة إلى الأجسام الباردة، ولا يمكن أن يحدث العكس بقوة ذاتية، بحيث تعود الحرارة فترتد من الأجسام الباردة إلى الأجسام الحارة لتعود لها قوتها.. وما دام الأمر كذلك فلا بد أن ينضب في الأجسام الحارة معين الطاقة، ويومئذ لن تكون هناك عمليات كيميائية أو طبيعية، ولن يكون هناك أثر للحياة نفسها في هذا الكون، ولما كانت الحياة لا تزال قائمة ولا تزال العمليات الكيميائية والطبيعية تسير في طريقها، فإننا نستطيع أن نستنتج أن هذا الكون – وإن كان قديماً بالنسبة للإنسان - لا يمكن أن يكون أزلياً، وإلا لاستهلكت طاقاته منذ زمن بعيد.
إذن... فإما أن يحدث ويوجد الكون بطريق الصدفة كما يزعم البعض!! أو أن يحدث بصنع محدث قوي وحكيم وعليم. وإذا قلنا بوجوده صدفة فالصدفة قد تجمع شيئين متناسبين. أما أن يكون هذا الكون كله مجتمعاً ومركباً بدقة متناهية وحكمة عظيمة في كل أجزائه ومكوناته: صغيرة كانت أو كبيرة، فهذا يؤكد أن قول من يزعم أن الكون وجد بالصدفة هو ضرب من الجنون.
وأمام هذه الحقائق لا يسعنا إلا أن نقول: إن الكون حادث أوجده خالق حكيم وقوي.
يروى أن رجلاً من منكري وجود الله أتى إلى أحد الخلفاء وقال له : علماء عصرك يقولون: إن لهذا الكون صانعًا، وأنا مستعد أن أثبت لهم أن هذا الكون لا صانع له.
فبعث الخليفة إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله يعلمه بالخبر، ويرجوه بالحضور، فتعمد الإمام أبو حنيفة أن يتأخر قليلاً عن الوقت، ثم حضر فاستقبله الخليفة وأجلسه في صدر المجلس، وكان قد اجتمع العلماء وكبار الناس، فقال الرجل الملحد للإمام: لم تأخرت في مجيئك؟ فقال الإمام : بيتي وراء نهر دجلة ، ولما جئت لأعبر النهر لم أجد سوى سفينة عتيقة قد تكسرت ألواحها الخشبية، ولما وقع نظري عليها تحركت الألواح واجتمعت ، واتصل بعضها ببعض، وصارت سفينة صالحة للسير بلا مباشرة نجار ولا عمل عامل، فقعدت عليها وعبرت النهر، وجئت إلى هذا المكان. أتصدقني؟! . فقال الرجل : اسمعوا أيها الناس ما يقول عالمكم، فهذا لا يصدق! كيف توجد السفينة بدون أن يصنعها نجار؟ هذا كذب محض . فقال أبو حنيفة رضي الله عنه : أيها الملحد إذا لم يعقل أن توجد سفينة بلا صانع ولا نجار، فكيف تقول بوجود العالم بلا صانع؟ فسكت الرجل ولزمته الحجة.
العقل بين الله الواحد ...والآلهة المتعددة:
وفطرة البشر تؤكد صحة القول بأن هناك خالقاً عظيماً لهذا الكون يلجأ إليه البشر في محنتهم وشدتهم.
وقد بين القرآن الكريم هذا الأمر في آيات عدة منها قوله تعالى: ] وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ[ سورة الروم {33}.
وقال سبحانه: ] وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إََِلا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [ سورة لقمان {32}.
فالنفس البشرية تدرك وجود الله بفطرتها وترجع إليه في الشدائد تستمد منه العون وتطلب منه النجدة إلا أنه وعلى الرغم من هذه الفطرة لدى البشر فقد تعددت أديانهم وطرقهم في كيفية الاستجابة لهذه الفطرة وكان جلها مبنياً على الخرافة والأساطير، فهناك أمم عبدت الحجارة والتماثيل لتقربها إلى الله في زعمها، وأمم عبدت النيران لما رأته من ضررها وأذاها، وهناك أمم جعلت لها إلهين اثنين: إلهاً للخير وإلهاً للشر، وهناك أمم أرسل الله لها رسلاً لكنها ما لبثت أن بدلت وغيرت بعد انتقال رسلها. فاليهود أرسل الله لهم موسى ومن بعده أنبياء كثيرون عليهم الصلاة والسلام ولكنهم مع ذلك حرفوا تعاليم موسى وشريعته فقالوا: عزير ابن الله.
وفي ظل ذلك الشرك والوثنية وتعدد الأديان أرسل الله نبيه محمداً r، فكانت الدعوة الأولى لنبينا للناس أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً.
والمتأمل في القرآن – وهو يدعو ويحث الناس على عبادة الله الواحد القهار الأحد الفرد الصمد - يرى أنه كثيراً ما ناقش الكفار بأسلوب عقلي غاية في الحجة والإقناع. فمن ذلك قول الله عز وجل على لسان إبراهيم عليه السلام وهو يحاور قومه الذين كانوا يعبدون الأصنام: ] قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ {72} أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ {73} قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ {74}[ الشعراء. فإذا كانوا لا يسمعون شيئاً مما تدعوهم به ولا يستطيعون أن ينفعوا أو يضروا أنفسهم وهم بذلك أعجز من أن ينفعوكم فلماذا العبادة لهم والطاعة؟!
ثم ذكرهم القرآن بأمور يقرون بها ويؤمنون: ] وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ {87}[ الزخرف. ] وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ {61}[ العنكبوت. فإذا كنتم تؤمنون بأن الله خلقكم وخلق السموات والأرض، فلماذ تعبدون معه من لا يضركم ولا ينفعكم ولا يغني عنكم شيئاً.
وبين القرآن فساد قول من يزعم أن هناك آلهة متعددة، فقال الحق جل شأنه: ] لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إََِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ {22}[ الأنبياء.
ولقد أصاب الشيخ محمد عبده في كلامه حول هذه الآية في افتراضه الذي يبين فيه تعدد الآلهة والنتيجة المترتبة عليه فقال: معنى لفسدتا: لتخالفت ( أي الآلهة ) علومهم وإرادتهم فتتضارب أفعالهم حسب التضارب في علومهم وإرادتهم، فيفسد نظام الكون، بل يستحيل أن يكون له نظام، بل يستحيل وجود ممكن من الممكنات، لأن وجود كل ممكن لا بد من أن يتعلق به الإيجاد حسب العلوم والإرادات المختلفة، فيلزم أن يكون للشيء الواحد موجودات متعددة وهو محال. لكن الفساد ممتنع بالبداهة.
ولا يكتفي القرآن ببيان أن الفساد يعتري الكون من جراء تعدد الآلهة، بل يصف بعض مظاهر الفساد وصفاً يرتفع به إلى أعلى مراتب الإقناع، ويفحم المكابر بأدلة لا يمكن دحضها.
قال تعالى: ] مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَََلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ {91}[ المؤمنون.
وساق القرآن الكريم حجة إبراهيم عليه السلام التي استدل بها على أن الله تعالى ليس هذه الكواكب التي يعبدها قومه ولا القمر ولا الشمس لتغير الشمس والقمر والكوكب، وحجته هي قوله : ]لا أُحِبُّ الآفِلِينَ[ سورة الأنعام آية 76. ومعنى كلامه عليه السلام أن الشىء الذي يتغير كالكواكب والشمس والقمر لا يصلح أن يكون إلهـًا مدبراً للعالم كما كان قومه يعتقدون. فقوله ( لا أُحِبُّ الآفِلِينَ ) حجة عقلية، وبرهان عقلي، معناه: كيف يجوز عبادة الشىء الذي يتغير. معناه: اتركوا هذا الرأي الذي أنتم عليه واعبدوا الله الموجود الأزلي الذي لا يتغير.
وهذا الذي ذكرناه من البراهين العقلية التي استدل بها أنبياء الله والعلماء العاملون غيض من فيض. .. ورحم الله أبا العتاهية :
فيا عجبًا كيف يُعصى الإلــه أم كيف يجحده الجاحدُ
وفي كلِّ شىءٍ له ءاية *** تدلّ على أنّه واحـــدُ
وكذلك دعا الله سبحانه وتعالى أهل الكتاب جميعاً من اليهود والنصارى أن يعبدوه وحده ويتركوا عبادة بعضهم لبعض، فقال سبحانه: ] قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ {64}[ آل عمران.
ويبين الله فساد دعواهم بأن لله أبناء بقوله سبحانه: ] إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ {59} [ آل عمران. فإذا كنتم تؤمنون بأن من خلق الكون هو الله، وتؤمنون أن الله خلق آدم من تراب فجعله بشراً سوياً دون أب ولا أم، فلماذا جعلتم عيسى ابناً له مع أن خلق عيسى من أم دون أب أهون من خلق آدم من غير أب ولا أم؟!
فإذا أيقن الإنسان بأن لهذا الكون خالقاً عظيماً قوياً، سيتيقن أن الله لم يخلق الكون عبثاً ولهواً. فحكمة الخالق تأبى أن ينتهي وجود الإنسان بانتهاء ظروف هذه الحياة الدنيوية، فلا بد من حياة أخرى يتم فيها الجزاء والحساب.. وهكذا تتضافر الحجج العقلية تترى وهي تدعو إلى الإسلام.
لماذا أرسل الله الرسل؟ وما سبب معجزاتهم؟:
ولما كانت حكمة الله تقتضي أن يبلغ عباده بما يرضيه أو يغضبه قبل أن يحاسبهم على أعمالهم.
فهناك عدة احتمالات لتبليغ البشر بمراد الله.
الأول: أن يتجلى لعباده جميعاً ويبلغهم بما يريده ويرضيه وبما يغضبه، وهذا لطريقة منافية لحكمة الاختبار والابتلاء، إذ لو تجلى لهم لما استطاع مستكبر أو معاند أن يكفر بوجوده، وأول أهداف الاختبار أن يؤمن الناس بربهم عن طريق عقولهم.
والثاني: أن ينزل الله للناس ملائكة يراهم الناس ويمشون بينهم، وهذا الاحتمال ليس الأفضل للتبليغ، لأن طبيعة الملائكة غير طبيعة البشر، وخصائصهم غير خصائصه، وبذلك لن يستطيع الناس تلقي الشرائع من الملائكة بشكل جيد وصحيح .
والثالث: أن يختار الله من عباده البشر رسلاً مصطفين، ليكونوا دعاة إلى الله وقدوة حسنة لهم، وهذا هو الاحتمال الأفضل المختار، وبهذه الوسيلة تتحقق أحسن صورة التبليغ.
ولما كانت هذه الوسيلة عرضة للادعاء الكاذب والتقليد أيد الله رسله بمعجزات لا يستطيع البشر فعلها أو مجاراتها، وبذلك يظهر صدق من هو مرسل من الله، وكذب من هو كاذب في هذه الدعوى.
فإذا آمن الإنسان بأن الله موجود وحكيم وقوي، وآمن برسله بعد أن أيقن بصدق دعواهم، لم يسعه إلا أن يؤمن بكل ما بلغوه إليه عن ربه سبحانه وتعالى.
وعلى هذه الأسس العقلية الكبرى بني ديننا الإسلامي الحنيف، وجاء رسولنا الكريم r بمعجزات باهرة، بعضها لا يزال باقياً، مما يؤكد صدق دعواه لمن يبحث عن الحق والحقيقة، وتزيد المؤمن إيماناً ويقيناً.
** الفرق بين الحقيقة والنظرية العلمية :
النظرية العلمية هي الرأي الراجح عند القائلين به في تفسير ظاهرة طبيعيةأو تحليل قضية اجتماعية، وهي احتمالية لا تصل إلى حد اليقين الجازم.
أما الحقيقة العلمية فإنها لا تتحقق إلابأمرين:
أولاً: إقامة دليل دامغ على صحتها.
ثانيًا: إقامة الدليل على استحالة تغييرها فتصبحبذلك قطعية لا تحتمل تغييرا ولا تبديلا. فتكون من سنن الله حينئذ، ولن تجد لسنة اللهتبديلا ولا تحويلا.
شهادة كاتب غير مسلم :
** الكاتب الماركسي "مسكيم رودنسون" يقول فيحديثه عن "العقيدة القرآنية": "القرآن كتاب مقدس، تحتل فيه العقلانية مكانا جدكبير، فالله لا ينفك فيه يناقش ويقيم البراهين، بل إن أكثر ما يلفت النظر هو أنالوحي نفسه - هذه الظاهرة الأقل اتساما بالعقلانية في أي دين، الوحي الذي أنزلهالله على مختلف الرسل عبر العصور، وعلى خاتمهم محمد - يعتبره القرآن هو نفسه أداةللبرهان، فهو في مناسبات عديدة يكرر لنا أن الرسل قد جاءوا "بالبينات" وهو لا يألويتحدى معارضيه، أن يأتوا بمثله.
والقرآن ما ينفك يقدم البراهين العقلانية علىالقدرة الإلهية، ففي خلق السماوات والأرض، واختلاف الليل والنهار، وتوالد الحيوان،ودوران الكواكب والأفلاك، وتنوع الخيرات الحياة الحيوانية والنباتية، تنوعا رائعالتطابق مع حاجات البشر، آيات لأولي الألباب (سورة آل عمران:180).
وفعل "عقل" "بمعنى ربط الأفكار بعضها ببعض .. حاكم البرهان العقلي" يتكرر في القرآن حوالي خمسين مرة، ويتكرر ثلاث عشرة مرة هذاالسؤال الاستنكاري، وكأنه لازمة {أفلا تعقلون} (سورة البقرة:44)
ويستمر الكاتب في بيان عقلانية الإسلام، مقارناهذه بما جاء في العهدين القديم والجديد، لليهود والمسيحيين، إلى أن يقول "في مقابلةهذا، تبدو العقلانية القرآنية صلبة، كأنها الصخر".انتهى.
متفرقات:
** سُمّي الغزالي حجة الإسلام لأنه عرف كيف يربط بين الإسلام والعقل البشري بمنهاج يجمع بين الحدس والعقل ويرتكز على منطق واضح قوي في استدلاله.( الموسوعة الإسلامية / محمد زنيبر )
** قال المناوي : حديث : (دين المرء عقله ومن لا عقل له لا دين له) لأن العقل هو الكاشف عن مقادير العبودية ومحبوب الله ومكروهه وهو الدليل على الرشد والناهي عن الغي وكلما كان حظ العبد من العقل أوفر فسلطان الدلالة فيه أبعد فالعاقل من عقل عن الله أمره ونهيه فأتمر بما أمره و انزجر عما نهاه فتلك علامة العقل وصورة العبادة قد تكون عادة ومن ثم كان المصطفى صلى الله عليه وسلم إذا ذكر له عبادة رجل سأل عن عقله . (أبو الشيخ) ابن حبان (في) كتاب (الثواب) على الأعمال (وابن النجار) في تاريخ بغداد (عن جابر) ورواه عنه الديلمي أيضا.(فيض القدير)
** قال أبو المظفر بن السمعاني أيضا ما ملخصه : من زعم أن دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام إنما كانت لبيان الفروع ، لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء ، وكفى بهذا ضلالا . ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه ، مع قطع النظر عن السمعيات لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب والأحاديث الصحيحة التي تواترت ولو بالطريق المعنوي ، ولو كان يقول أولئك لبطلت السمعيات التي لا مجال للعقل فيها أو أكثرها ، بل يجب الإيمان بما ثبت من السمعيات ، فإن عقلناه فبتوفيق الله وإلا اكتفينا باعتقاد حقيقته على وفق مراد الله سبحانه وتعالى انتهى .( فتح الباري 20/440).
المصادر:
ـ روح الدين الإسلامي لعفيف عبدالفتاح طبارة.
ـ الوجيز في العقيدة الإسلامية لعبدالرحمن حسن حبنكه الميداني.
ـ أدب الدنيا والدين للماوردي.
ـ العقل وفضله للحكيم الترمذي.
ـ روضة العقلاء ونزهة الألباء لابن حبان البستي.
ـ فتح الباري لابن حجر العسقلاني.
ـ بعض مواقع الشبكة العنكبوتية (الانترنت).
إعداد الشيخ/ عمر قاسم الأحمد
المراجعة العلمية للشيخ: عبدالله نجيب سالم
16/شوال/1427هـ 7/11/2006م
* ليسانس في الشريعة الإسلامية من جامعة الأزهر، وإمام وخطيب بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بدولة الكويت.
الصفحة السابقة