كتبت وعيني مستهل دموعها
إليك ابن عمي من جفوني ومحجري
وقد مسني ضر وذل كآبة
وأرق عيني يا ابن عمي تفكري
سأشكو الذي لاقيته بعد فقده
إليك شكاة المستهام المقهر
تذكر أمير المؤمنين قرابتي
فديتك من ذي حرمة متذكر
وقد رق لها المأمون رقة بالغة، وأكرمها وأحسن إليها طيلة عهده، ولم يقصر في حقها. وعاشت معززة مكرمة.
مأثرة خالدة:
وقد سجل التاريخ لزبيدة موقفاً مشرفاً أحسنت فيه إلى الأمة الإسلامية جمعاء. فلقد رأت هذه المرأة العاقلة الثرية ما يقاسيه أهل مكة وحجاج بيت الله الحرام من صعوبات جمة في الحصول على ماء الشرب – وكان ذلك سنة 186 للهجرة حين حجت – فبلغ بها التأثر لتلك الحال مبلغه، فدعت خازن مالها، وأمرته أن ينفذ مشروع شق قناة في وسط الجبال وبين الصخور حتى يصل بالماء إلى مكة.
فجمع ما استطاع من عمال وخبراء، واعتمد هؤلاء في خطتهم على عين حنين والمياه الجوفية حولها وقرروا الجر الماء طريقة فنية توصل الماء إلى مكة عبر الجبال. ولم يثن زبيدة عن عزمها ورغبتها في الخير ما تطلبه العمل من مال جم، بلغ – كما قدره الحاسبون في حينه مبلغاً خيالياً – لقد بلغ مليوناً وسبعمائة ألف دينار، فرت بها عيناً وه تخرجها في سبيل توفير مياه الشرب لضيوف الرحمن. كيف لا وهي التي قالت لخازن مالها حين كلفته بالعمل كلمتها الشهيرة العظيمة:
- إعمل ولو كلفت ضربة الفأس ديناراً.
وهكذا حفرت عين مكة الشهيرة: عين زبيدة.
قال ابن كثير: روى الخطيب بسنده إلى عبدالله بن المبارك رحمه الله قال: رأيت زبيدة في المنام. فقلت: ما فعل الله بك. فقالت:
- غفر لي في أول معول ضرب في طريق مكة.
وقد خلد لها التاريخ هذا العمل الجميل، فلا يكاد مؤرخ يذكر شيئا من أخبار مكة البلد المحرم إلا ويعرج على ذكر (عين زبيدة). فهذا هو اليافعي يصف لنا عملها هذا فيقول:
إن آثارها باقية، ومشتملة على عمارة عظيمة مما يتنزه برؤيتها، على يمين الذاهب إلى منى من مكة. ذات بنيان محكم في الجبال، تقصر العبارة عن وصف حسنه، وينزل الماء منه إلى موضع تحت الأرض.
استراحات الحجاج:
إن كل ذلك من آثار زبيدة، فانتدبت لذل كمدة حياتها، فأبقت في هذا الطريق مرافق ومنافع تعم وفد الله تعالى كل سنة من لدن وفاتها إلى الآن، ولولا آثارها الكريمة في ذلك لما سلكت هذا الطريق. والله كفيل بمجازاتها والرضا عنها.
ولا يفوتنا أن نذكر أن زبيدة هي التي بنت المسجد المنسوب إليها في بغداد، وكان قريب مسجد الشيخ معروف الكرخي الصوفي العابد المعروف... وكان مسجد الشيخ معروف الكرخي الصوفي العابد المعروف... وكان مسجد زبيدة واسعاً رصين البناء قوي الأركان وقد اندرس سنة 1195هـ ولم يبق منه سوى قبر زبيدة، وعليه قبة مخروطية الشكل من نوادر الفن المعماري.
كما إنها ينسب إليها المُحْدَث، وهو منزل في طريق مكة فيه قصر وقباب متفرقة وبركة ماء وبيران ماؤهما عذب. كما تنسب إليها آثار أخرى كثيرة.
وإضافة إلى ما اشتهرت به زبيدة من كرم فياض في وجوه الخير فقد كانت أيبة ذكية لماحة.
وقعت ذات مرة على ظهر كتاب أحد عمالها:
- أن أصلح كتابك وإلا صرفناك عن عملك.
فتأمله ذلك العامل فلم يظهر له فيه شئ، فعرضه على بعض إخوانه فرأى فيه الدعاء لها بقوله: وأدام الله كرامتك. فقال للكاتب العامل:
إنها تخيلت أنك دعوت عليها. فإن كرامة النساء دفنهن. فغير ذلك وأعاد الكتاب فقبلته.