
جريئة وفصيحة
<< أم الخير البارقية >>
امرأة شجاعة، وخطيبة فصيحة، ومتكلمة بليغة، وذات رأي سياسي معروف لكل أهل عصرها. إنها المرأة التي سلت لسانها في نصرة أمير المؤمنين علي ين أبي طالب رضي الله عنه فلم تدع مقاما إلا وقالت فيه مقالاً، ولم تكن سيوف الرجال البتارة بأنفع في ساحات الوغى من كلماتها الرنانة المهيجة.
كتاب من معاوية:
روى ابن عبد ربه في العقد الفريد عن عبيدالله بن عمر الغساني عن الشعبي قال: كتب معاوية إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أم الخير بنت الحريش بن سراقة البارقي رحلها. وأعلمه أنه مجازيه بقولها في بالخير خيراً وبالشر شراً.
فلما ورد عليه كتابه ركب إليها فاقرأها كتابه فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة ولا معتلة بكذب. ولقد كنت أحب لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري...
فلما شيعها وأراد مفارقتها قال: يا أم الخير إن أمير المؤمنين كتب إلي أنه مجازيني بالخير خيرا وبالشر شرا. فمالي عندك؟ قالت: يا هذا لا يطمعنك برك بي أن أسرك بباطل، ولا يؤيسك معرفتي بك أن أقول فيك غير الحق!
فسارت خير مسير حتى قدمت على معاوية رضي الله عنه فأنزلها مع الحرم، ثم أدخلها عليه في اليوم الرابع وعنده جلساؤه.
فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقال: وعليك السلام يا أم الخير... وبالرغم والله منك دعوتني بهذا الاسم. فقالت: مه يا أمير المؤمنين فإن بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه، ولكل أجل كتاب.
قال: صدقت فكيف حالك يا خالة؟ وكيف كنت في مسيرك؟
قالت: لم أزل يا أمير المؤمنين في خير عافية حتى صرت إليك، فأنا في مجلس أنيق عند ملك رفيق.
قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم.
قالت: يا أمير المؤمنين يعيذك لله من دحض المقال وما تردى عاقبته.
قال: ليس هذا أردنا. أخبرينا كيف كان كلامك إذ قتل عمار بن ياسر.
قالت: لم أكن زورته قبل (أي حسنته) ولا رويته بعد. وإنما كانت كلمات نفثها لساني عند الصدمة. فإن أحببت أن أُحدِث لك مقالاً غير ذلك فعلت.
قال: لا أشاء ذلك. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أيكم يحفظ كلامها.
فقال رجل: أنا أحفظ بعض كلامها يا أمير المؤمنين. قال: هات.
قال: كأني بها وعليها برد زبيدي كثيف النسيج، وهي على جمل أرمك
(رمادي اللون) وقد أحيط حولها وبيدها سوط منتشر الضفر، وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول:
خطبة بليغة:
- يا أيها الناس اتقوا ربكم، إن زلزلة الساعة شئ عظيم. إن الله قد أوضح لكم الحق، وأبان الدليل، وبين السبيل، ورفع العلم. ولم يدعكم في عمياء مبهمة ولا سوداء مدلهمة، فأين تريدون رحمكم الله؟! أفراراً عن أمير المؤمنين؟ أم فراراً عن الزحف؟ أم رغبة عن الإسلام؟ أم ارتداداً عن الحق. أما سمعتم الله جل ثناؤه يقول: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم).
وتابع الرجل يروي لمعاوية خطبة أم الخير البليغة في جيش علي رضي الله عنه فقال: ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول:
- اللهم قد عيل الصبر وضعف اليقين وانتشرت الرغبة، وبيدك يا رب أزمة القلوب، فاجمع اللهم بها الكلمة على التقوى، وألف القلوب على الهدى، وأردد الحق إلى أهله. هلمُوا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والرضي التقي، والصديق الأكبر. إنها إِحَنٌ بدرية وأحقاد جاهلية وضغائن أُحديه، وثب بها واثب حين الغفلة ليدرك ثارات بني عبد شمس. ثم قالت: قاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون. صبراً يا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من دينكم، فكأني بكم غداً وقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة فرت من قسورة، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض حين تحل بهم الندامة، فيطلبون الإقالة ولات حين مناص.
ثم تابعت أم الخير بنت الحريش خطبتها في جيش علي كرم الله وجهه.
تحضهم وتحثهم:
- إنه من ضل والله عن الحق وقع في الباطل. ألا إن أولياء الله استصغروا عمر الدنيا فرفضوها، واستطابوا الآخرة فسعوا إليها، فالله الله أيها الناس قبل أن تبطل الحقوق وتُعطل الحدود، وتقوى كلمة الشيطان ويظهر الظالمون. فإلى أين تريدون رحمكم الله؟ عن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره وأبي سبطية؟ خُلِقَ من طينته؟ وتفرع من نَبْته، وخصه بسره، وجعله باب مدينته. وأعلم بحبه المسلمين وأبان ببغضه المنافقين. وها هو ذا مُفَلق الهامْ، ومكسر الأصنام. صلى والناس مشركون، وأطاع والناس كارهون، فلم يزل في ذلك حتى قتل متارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وهزم الأحزاب، وقتل الله به أهل خيبر، وفرق به جمع هوازن...
ثم ختمت أم الخير خطبتها النارية بقولها:
- فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقاً، وردةً وشقاقاً، وزادت المؤمنين إيماناً. قد اجتهدت في القول، وبالغت في النصيحة وبالله التوفيق.
والسلام عليكم ورحمة الله.
معاتبة لطيفة، ورد قوي:
فقال معاوية بعد أن أنصت إلى كلمات حركت ضده سيوفاً كثيرة: يا أم الخير ما أردت بهذا الكلام إلا قتلي، ولو قتلتك ما حرجت في ذلك.
فردت بشجاعة: والله ما يسوءني يا ابن هند أن يجري قتلي علي يَدَيْ من يسعدني الله بشقائه...
فقال وهو الحليم المعروف: هيهات يا كثيرة الفضول.
أسئلة حرجة:
ثم سألها عن رأيها في سيدنا عثمان بن عفان خليفة المسلمين بعد عمر ابن الخطاب رضي الله عنهما فقال: ما تقولين في عثمان بن عفان رحمه الله؟
فقالت بصراحة: وما عسيت أن أقول في عثمان... استخلفه الناس وهم به راضون. وقتلوه وهم له كارهون.
قال: يا أم الخير هذا والله أصلك الذي تبنين عليه. أي هذا أساس عدائك لي.
فاستدركت بقولها: لكن الله يشهد – وكفى بالله شهيداً – ما أردت بعثمان نقصاً، ولقد كان سباقاً إلى الخيرات، وإنه لرفيع الدرجة غداً.
ولم يكتف معاوية رضي الله عنه بما سمع من كلامها بل أحب أن يستنطقها ويعرف رأيها في أطراف أخرى من أطراف المحنة الكبرى آنذاك.
فقال: فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ قالت: وما عسى أن أقول في طلحة، اغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة.
قال: فما تقولين في الزبير؟ وضاقت أم الخير بهذه الأسئلة المحرجة التي تضطرها إلى إظهار أمور قد تُضر بها بعد أن فات وقتها. فقالت: يا أمير المؤمنين لا تدعني كرجيع الضبع يعرك المركن. أي كمن يعيد كلاماً بعد قوله لا حاجة له. فأصر قائلاً: حقاً لتقولن ذلك. وقد عزمتُ عليك.
قالت: وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، وقد شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة، ولقد كان سباقاً إلى كل مكرمة في الإسلام.
ثم عادت تذكر معاوية راجيةً أن يتركها من مثل هذه المسائل. فقالت:
- وأنا أسألك بحق الله يا معاوية – فإن قريشاً تحدثت أنك أحلمها – أن تسعني بفضل حلمك، وأن تعفيني من هذه المسائل، وتسألني عما شئت من عيرها. فأجابها: نعم، ونعمة عين وكرامة، قد أعفيتك منها.
جائزة وكرامة:
وإزاء هذه الصراحة الجريئة، والبلاغة الفريدة، والشجاعة النادرة في أمثالها، أمر لها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بجائزة رفيعة تستعين بها على أمور حياتها، وتثبت في قرارة نفسها أن معاوية يعاملها بمنطق (عفا الله عما سلف).
ثم ردها مكرمة إلى قومها بالكوفة بعد أن يئس من عودتها الكثير من الذين يعلمون أنا لا تهاب ولا تداري، وأنها قالت ف يحق الخليفة ما لا تطيق سماعه أذن، ولا تصبر عليه نفس.
رحم الله أم الخير، خطيبة الحرب، ونصيرة الحق ،وفصيحة اللسان، وثابتة الجنان.
وأفسح لها في الجنان منزلاً.
المراجع:-
بلاغات النساء لطيفور، صبح الأعشى للقلقشندي، العقد الفريد، نهاية الأرب، أعلام النساء.
الشيخ عبدالله نجيب سالم
الصفحة السابقة