
امرأة من السّلف
<< عائشة سالم >>
الأسرة الطاهرة:
جددت بسيرتها سيرة الصالحات القانتات، وأعادت بعلمها وتقاها صورة المؤمنات النيرات، كانت مثالاً يحتذى لكل من حولها في الاستقامة والعلم والذكاء.
إنها الحاجة عائشة بنت محمد قدور بن الشيخ عبدالرحمن سالم...
وجدها الشيخ عبدالرحمن كان مفتياً لبلدة جسر الشغور الواقعة بين حلب واللاذقية. كما كان بعض أولاده، وكذلك بعض أبناء عمومته كالشيخ محمد بشير سالم... من أهل العلم حتى عرفت تلك الأسرة بتوارث العلم خلفاً عن سلف.
ربيت في بيت طهارة وتقى، فكانت منذ حداثة سنها بعيدة كل البعد عن اللهو وإضاعة الوقت الاشتغال بما لا يعني. ذلك أن أمها كانت معروفة بحزمها وشدة ملاحظتها لابنتها عائشة، وتدقيقها في سلوكها...
ليس فقط وهي صغيرة في مدارج الصبا، بل حتى آخر لحظات حياتها...
حتى تركت أمها بصماتها واضحة في شخصيتها.
يتيمة نابغة:
ويشاء الله سبحانه أن يذهب أبوها ضحية رخيصة دون ذنب في نزاع محلي تافه، على الرغم من هدوئه وحسن سيرته فقام عمها الرجل المعروف بذكائه ومكانته وتدينه الحاج خير الدين سالم برعايتها، وضمها إلى بيته، وأشرف بنفسه على تثقيفها وتنشئتها، بعد ما رأى منها ذكاء عجيباً وفهماً دقيقاً...
وعلى الرغم من أنها لم تتعلم الكتابة في صغرها، إلا أن الله عوضها بدلاً من ذلك بذاكرة عجيبة، فريدة من نوعها، قل أن تتهيأ لكثير من مثيلاتها من الشهيرات. حتى قالت متحدثة بنعمة الله عن نفسها:
- لم يمر علي – ولا أذكر – أن شيئاً وعاه قلبي، ووقع في مسمعي من الفوائد ومسائل العلم وقصص الماضين، ثم نسيته رغم امتداد السنين وكثرة المحفوظات.
وكشأن النساء في عصرها، فقد تزوجت في سن مبكرة من أحد صالحي أسرتها، فأنجبت له عدداً من الأبناء والبنات.
ولكنها لم يلهها بيتها عن متابعة تعلمها بالسماع، فتتلمذت على علامة زمنها ومفتي محافظة إدلب: الشيخ طاهر الملا الكيالي، الذي كان كفيف البصر غزير العلم شديد الذكاء. فاستفادت منه السيدة عائشة بنت محمد سالم فوائد كثيرة في العلوم الشرعية والأحكام الفقهية والآداب الاجتماعية والأخلاق الربانية.
كما تتلمذت على الشيخ الرباني إمام وقته الشيخ محمد بن أحمد النبهان الذي سبقتها إليه شهرتها، فلما زارته لأول مرة قال لها: يا عائشة، سمعنا أنك أصبحت أستاذة مدرسة للنساء، فأخبرينا عن معنى قول الشاعر:
توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر
وإلا تيمم بالصعيد وبالصخر
وقدم أماماً كنت أنت إمامه
وصل صلاة الفجر في أول العصر
فهذي صلاة العارفين بربهم
فإن كنت منهم فانضح البر بالبحر
وهي أبيات من الشعر الصوفي الرمزي. فقالت عائشة بنت محمد قدور مجيبة بكل أدب: يا سيدي جئت لأتعلم منكم. وأنا الآن تلميذة بين يديك. وجوابي هو: لا أعلم. فسر بها وزاد احتراماً لها... وكانت تحضر دروسه العامة مع حشد كبير من النساء – حيث كان للشيخ أسلوب مؤثر وطريقة فريدة – وتحفظ ما يقول، فانتفعت به انتفاعاً عظيماً.
دعاء حول الكعبة:
وكان الناس في الطواف هاتيك الأيام من القلة بحيث استطاعت أن تطوف وتقبل الحجر الأسود في كل شوط من طوافها، وهي تدعو الله أن يؤتي العلم ذريتها، وأن يخصهم بالاشتغال به والتفرغ له، فاستجاب الله لها دعوتها فيما بعد، فكان أبناؤها من بنين وبنات طلاب علم، أو معلمي قرآن أو مدرسي مساجد.
وقد أصابها الغم لمّا رأت أحد أبنائها ذا لثغة في لسانه وهو صغير، وكانت حسرتها بالغة، وهي تتصور كيف سيكون عالماً مدرساً وخطيباً متكلماً وهو ألثغ، فعمدت إلى قول الله سبحانه: ( قالَ رب اشرحْ لي صَدْري ويَسِّر لي أمْري واحْلل عُقدةً من لِسَاني يَفْقهوا قَولِي ) فكتبتها في ورقة، ثم وضعتها في قليل ماء، وحركتها فيها ثم دعت ربها أن يشافي ولدها من عقدته، ثم سقته ذلك الماء، فانطلق لسانه سريعاً، وعاد فصيحاً طَلْقاً ببركة القرآن، وبفضل الله على هذه المرأة الصالحة.
وقد بلغ من قوة ذاكرة الحاجة عائشة سالم أنها قالت عن نفسها في شبابها:
- كنت أصلي في بستان، وكان إلى جوارنا رجل يرفع عقيرته بأبيات من الشعر دون أن أراه، فرسخ في ذهني قرابة ستة عشر بيتاً من ذلك الشعر وأنا منصرفة إلى صلاتي، كأنما طبعت في ذاكرتي طبعاً، حتى إذا انصرفت تراءت لي، كأنما كتبت بين عيني.
نفع مستمر:
وكانت إفادتها للنساء إما على هيئة دروس تلقيها للنساء خاصة. حيث كان لها درسان في الأسبوع: يومي الجمعة والاثنين بعد العصر، في زاوية آل الكيالي في بلدة أريحا – عروس جبل الأربعين – فبعد فراغ الرجال من صلاتهم وانصرافهم، تأمر أحد بنيها الصغار بالجلوس على باب المسجد، ليمنع دخول الرجال، ثم تتوافد النساء – وكن كثيرات يمتلأ بهن المسجد – فتأخذ الحاجة عائشة بالقراء من كتاب في الفقه أو التصوف أو التاريخ، ثم تسترسل في الشرح، وكانت ذا لسان فصيح، وعبارة حلوة أخاذة، تشد إليها الحاضرات، فلا تسمع في درسها همساً ولا لغطاً.
أو كانت إفادتها للنساء على شكل فتاوى حفظتها من شيخها الشيخ طاهر الملا أو زوجها الثاني – وهو أحد أفراد آلِها وأقاربها – الشيخ العالم الفاضل نجيب بن أحمد بن سالم، فلا تحتاج النساء إلى شيء في العبادات – خاصة في أمورهن – إلا ويلجأن إليها. ليجدن عندها حلاً لكل معضلة وإجابة على كل استفسار.
أو كانت إفادتها للنساء على شكل مواعظ وأمثال، ونصائح وفوائد، تتحدث بها على المسامع في زيارتها لجاراتها وصاحباتها، فلم يعلم أن مجالسها كانت مشغولة باللغو أو الكلام العادي، بل كانت بلباقتها وإصرارها تحول الزيارات إلى فوائد، وتذكّر بما تحفظ من قصص الصالحين وأمثال الأولين، وما كانت تجيده من الترغيب في العبادة والخير، والترهيب من العصيان والشر، وما آتاها الله من عذوبة اللسان وحلاوة اللفظ حتى ترقّ القلوب القاسية، وتصيغ الآذان المغلقة.
ومما يذكر عن ذكاء الحاجة عائشة: أنها تعلمت القراءة دون الكتابة، وذلك من واقعها حفظها الشديد للكلمات وتعرفها إلى حروفها.
أحوال وصفات:
وكانت رحمها الله من الحريصات على تفقد جاراتها الفقيرات بكل طعام تعده، ترسل إليهن منه حتى قبل أن تَطْعم منه أو تطعم أولادها.
وكان لها ورد من الأدعية والأذكار والابتهال إلى الله كل ليلة، تردده بعد قيامها لصلاة الليل بصوتها الرخيم الجميل، ولم تكن تجهر به ولا تخافت، بل تبتغي بين ذلك سبيلاً، حتى إن بعض أولادها – وكانوا صغاراً – كان يستيقظ في هدأة الليل على قراءتها وأذكارها، ويقول:
كنت أسمعها – بعد القرآن والدعاء والابتهال وشيء من الأذكار من دلائل الخيرات – تردد القصيدة المسماة (بالمنفرجة) حتى حفظتها منها.
الشِّدة أودت بالمُهَج
يا رب فعجّل بالفرج
يا خالقنا يا رازقنا
قد ضاق الحبلُ على الوَدَجِ
جئناك بقلب منكسرٍ
ولسان بالشكوى لَهِجِ
لا تأكل إلا الحلال:
وفي حرصها على المال الحلال، لم تكن تتناول من قريب لها أي شيء – رغم إلحاحه على إعطائه وتوسله إليها بذلك – لأنه كان يعمل في وظيفة مشبوهة، فكانت تتعفف عن عطاياه وتأبى أن تتناول منها شيئاً. بل ولم تزره في بيته أن يدخلها شيء منه. وكانت تجهر له بذلك.
وفي مراعاتها لحق زوجها – وخاصة زوجها الثاني الشيخ نجيب بن أحمد سالم – كانت تحرص كل الحرص على توفير جو من الاحترام نادر المثال، كما كانت تأمر أولادها بالسكون إذا نام، أو أخذ في مطالعة خطبة أو درس، أو انشغل في قراءة.
وقد لحق الدَّيْنُ زوجَها بسبب تجارة تاجر فيها، حيث لم يكن حريصاً على الربح أو مطالبة المدينين، فكانت تواسيه خير مواساة وتقول:
- أرجو أن لا تحمل همِّي وهمَّ أولادي... إنني أصبر على القليل، بل أنا مستعدة للصيام الدائم، إن كان ذلك يخفف عنك.
- أرجو أن لا تحمل همِّي وهمَّ أولادي... إنني أصبر على القليل، بل أنا مستعدة للصيام الدائم، إن كان ذلك يخفف عنك.
وكانت لا ترد سائلاً يتعرض لمعرُفها، مهما كان صادقاً أو غير صادق، ومهما كانت حالها ميسورة أو معسرة، وتقول:
- أرجو أن لا تحمل همِّي وهمَّ أولادي... إنني أصبر على القليل، بل أنا مستعدة للصيام الدائم، إن كان ذلك يخفف عنك.
- سأل بحاله، ونعطيه بحالنا.
من أقوالها:
وكان لها من الحِكَم والكلمات الرائعة الشيء الكثير... فمن ذلك قولها:
- إن كلمة الزائر للمريض:
كيف حالك لا تشفي حاله، لكنها تجبر حاله. وكلمة المعزي: عظم الله أجركم، لا تحيي الميت، ولكنها تنفع الحي.
وكانت رحمها الله تحفظ الأشعار والأمثال بكثرة، وتنثرها في كل مناسبة ومقام.
وقد توفي زوجها الثاني قبلها، فصبرت واحتسبت ذلك عند الله، واشتد حرصها على بنيها وبناتها، فكانت – وبعضهم كبار في السن – لا تتوانى عن تنبيه المقصر في عبادته، أو شحذ همّة المتراخي في تفوقه، أو تشجيع المتفاني في عمله.
تكريم إلهي :
وقد انتقلت الحاجة عائشة بنت محمد قدور سالم إلى جوار ربها عام 1979م عن عمر يناهز الستين ودفنت في حلب في مقبرة البلاط.
وقد حدث من إكرام الله لها ما يستحق الذكر، فقد اضطر أقرباء بعض الموتى إلى نقل موتاهم، لحدوث بناء في المقبرة المذكورة. فنقلت السيدة عائشة سالم ضمن من نقل بعد ست سنين من دفنها عام 1985م، وتوقع أولادها أن يجدوها عظاماً بالية... لكن المفاجأة التي أدهشتهم: أنهم وجدوا جسدها غضاً طرياً لم يبل... ولم يستطع أولادها الثلاثة الذين تولوا نقلها حملها بشق الأنفس، فأعادوا تكفينها ودفنها في مقبرة أخرى تسمى مقبرة الصالحين.
الشيخ عبد الله نجيب سالم
الصفحة السابقة