 |
|
يكتب الشيخ عبد الله نجيب سالم في الصحافة منذ أكثر من ثلاثين عاماً
في مواضيع دينية واجتماعية وتربوية
وهذه بعض مشاركاته الصحفية
|

درس في الطب النبوي

لست أصر على لوم المسلم العادي أو العامي ان لم يفقه شيئا عن الطب النبوي، ولكني ألوم بالتأكيد الطبيب المسلم أو المثقف المسلم ان فعل الشيء نفسه وفاته الخير الكثير في هذا الباب.
إننا في واقع الحال نعيش حضارة غربية، وهذا أمر لا ننكره ولا نكابر فيه، ولكنه لا ينبغي أن يدفعنا ذلك إلى السقوط الكامل في الفخ الذي نصبه لنا أهل تلك الحضارة ، وصوروا لنا فيه ان كل شيء خارج اطار حضارتهم هذه خطأ وباطل، وفي الوقت نفسه كل شيء في حضارتهم ومنها هو صواب وعين الحقيقة.
ان هذا هو السقوط الشنيع والانسلاخ الفظيع والهول المريع.
وقد يكون مرد ذلك أو من أسبابه أن مصادر ثقافتنا العامة والخاصة قد طمست على معالم كثير من حضارتنا الإسلامية أو نسيت الاهتمام بها أو التركيز عليها في ضوء الانبهار بالحضارة الغربية والجهل بالجهود الإسلامية في كل مجال...
لذا فإننا على الرغم من قناعتنا الفطرية بأن هناك جهودا ضخمة وجبارة في مجال الطب مثلا (والطب النبوي هو العمود الفقري للطب الإسلامي) إلا أن جهلنا الفاضح بهذا النوع من العلم يحول دون وضع النقاط على الحروف وتسمية الأشياء بمسمياتها.
أهدي إلي صديق حميم كتاب ( الطب النبوي والعلم الحديث ) للطبيب البشري والعالم الشرعي المعاصر محمود ناظم النسيمي رحمه الله وقد تصفحت الكتاب الضخم، وهو في ثلاثة مجلدات واستوقفتني مقدمته الرائعة والتي كشفت لي عن جانب مهم وحيوي من الطب النبوي.
ولعلنا نفاجأ ونحن نلوك الفكرة الخاطئة عن الطب النبوي بأنه طب قديم او طب أعشاب أو طب غير تجريبي أو غير دقيق يعتمد على ( القراية ) واللحية والبخور ... أقول لعلنا نفاجأ بخلاف ذلك. بل بعكسه تماما وذلك إذا أدركنا الحقائق التالية التي لا مجال لانكارها:
إن المسلمين في عصر النهضة سارعوا إلى العناية بالطب وممارسته والخوض فيه واكتشاف مجاهياه والتخصص بتجاربه ونظرياته ، استهداء منهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تداووا عباد الله فإن الله لم ينزل داء إلا وأنزل له دواء إلا الهرم".
وقد وصل إلى علمنا أسماء ما لا يقل عن (32) كتابا دونها المسلمون في الطب بمختلف مجالاته ، وذلك ابتداء من عام 153هـ وحتى القرون الأخيرة، وان هناك ما لا يقل عن ثلث هذا العدد قد اختفى ولم يعد له وجود، أما باقيه فهو إما مخطوط حبيس الأدراج أو مطبوع ولكنه على غير رواج.
وهذا العدد السابق لا يشمل إلا ما ألف حول الطب النبوي الذي ورد بخصوصه اثر او نص، أما ما كان من أمور الطب العام الذي قدمته الأمة بتجاربها وممارساتها وخبرتها وفنها، فإنه كثير لا يحصى ، وفيه ولا شك اضافة إلى الطب النبوي وعموم هذا العلم مجلدات ومجلدات غاية في النفاسة والأهمية في كل مجال.
ويكفينا أن نعلم أن كتابا مثل كتاب الطب النبوي للحافظ الاصبهاني والذي ألف ما بين عام 336 ـ 430هـ يحتوي ـ وهذا الكلام قبل ألف عام ـ الأبحاث التالية: (فضل صناعة الطب، ذكر أنواع العلل ومعرفة علاج كل علة، معرفة العقاقير ومنافعها، حفظ المريض بالحمية، وتدبير الناقه، ومعرفة قوى الأغذية البشرية، ولزوم العادات وحفظ البدن).
وإن بابا واحدا منه : كباب معرفة العلل قد تناول ما يلي: ما يتعلق بعلاج الأحزان والهموم (أي الامراض النفسية) ، وأبوابا لعلاج الصراع والعين والأنف والأذن والطحال والمغص ، وأبوابا لعلاج الجبر والكسور والرضوض، وأبوابا لعلاج الرحم والولادة (أمراض النساء) وأبوابا لعلاج البواسير، وأبوابا للجراحات وأبوابا للسموم والترياق وأبوابا للسل وأبوابا عن الجدري والحصبة، وغيرها من الحميات. واشباه ذلك.
قلت لأصحابي الملتفين حولي وهم طبيب في مستوصف وأستاذ في مدرسة وكاتب في صحيفة ومتكلم في إذاعة وخطيب في مسجد قلت لهم: كلنا مسؤول عن هذا الجهل بحضارتنا نشارك فيه وسوف نسأل عنه ...فأقر البعض وصدقوا ، وثار آخرون وامتعضوا ، ولله في خلقه شؤون !!!.
عبد الله نجيب سالم
Alsalem 2004@gawab.com
الصفحة السابقة