 |
|
يكتب الشيخ عبد الله نجيب سالم في الصحافة منذ أكثر من ثلاثين عاماً
في مواضيع دينية واجتماعية وتربوية
وهذه بعض مشاركاته الصحفية
|

بين انتقاد الصحابة وتجريحهم

بداية ما كنت أحب خوض غمار هذا الموضوع على صفحات الجرائد لما له من حساسية مفرطة وما في الصحافة اليومية من اعتماد على الإثارة والاستفزاز والمبالغة... ولكن مقال الأستاذ الكريم صلاح الفضلي في الرأي العام يوم الأحد 8/6/2003 الذي طالب فيه بفتح باب انتقاد الصحابة ... جرني إلى ذلك جراً.
أولهما: أن الأستاذ صلاح الفضلي شيعي المذهب وهذا ظاهر من أسلوب تناوله وطرحه للقضية واستنتاجاته وأفكاره حولها.
ثانيهما: أن الأستاذ صلاح الفضلي ليس خالي الوفاض ولا فارغ الجعبة من الاطلاع على تعاريف الصحابة أو تقدير أعدادهم أو متابعة الموضوع لدى اللجنة التعليمية التي طرحت وناقشت واعتمدت من يحظر التعرض لهم بالنقد لذواتهم، فرفعت – كما قال – تلك العصمة التي كانت مجعولة للصحابة، ولعل هذا ما أفرحه وسره!!
وتعليقاً على المقال المذكور أورد النقاط التالية الموجزة:
أولاً: صحيح أن هناك تعاريف مختلفة ومتعددة لـ(الصحابي) ولكن التعريف المختار عند أكثر العلماء هو أن الصحابي من لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ولو لفترة قصيرة وشريطة أن يموت على الإيمان به... وبذلك يخرج من هذا التعريف من لم يلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان مؤمناً في عهده، وكذلك من لقيه ثم ارتد ومات على الكفر... ولا شك أن هذا التعريف يوسع دائرة الصحابي ليبلغ مقدارها – تقريباً – قرابة مئة ألف رجل وامرأة وطفل.
وقوله صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه". والأدلة على اختصاص مرتبة الصحبة بعظيم المزايا الدينية كثيرة.
أولهما: أن الخطأ قد يقع منهم بلا شك ولا ارتياب. لكن تقرير ذلك ليس بالأمر السهل بل هو راجع لنظر العلماء أو لوضوح الخطأ أو ثبوت النص ونحو ذلك كما أنه بالاستقراء والتتبع قليل جداً ومحدود عدداً وكما، مما جعل جيلهم خير جيل وقرنهم أفضل القرون كما قال صلى الله عليه وسلم "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم".
ثانيهما: أن عدم العصمة شامل لكل الخلق ممن هم سوى الأنبياء عليهم السلام، إذ ليس من المعقول أن نثبت عصمة لأحد ـ سوى الرسل ـ من باقي البشر أيا كان إذا لم نثبت ذلك للصحابة الذين هم أصحاب أعلى منزلة بعد النبوة والرسالة... لذلك فعدم العصمة يتناول اضافة إلى الصحابة الكرام أهل البيت الأبرار والأئمة الكبار والمحدثين الجهابذة والفقهاء العظام والمفسرين والمجتهدين وكبار رجالات الأمة الإسلامية قديماً وحديثاً... وأكبر دليل على ذلك تعدد اجتهاداتهم وآرائهم واختلاف وجهات نظرهم، ولو كانوا كلهم على صواب لاستحال ذلك.
أولها: أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بذلك بقوله: " اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم".
ثانياً: أن حسناتهم الكبيرة والكثيرة تمحو سيآتهم وهفواتهم القليلة العادية لقوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ).
ثالثاً: أن انتقاصهم والنيل منهم يورث بغضهم وهذا مناف لقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا).
رابعاً: أنهم هم حملة الرسالة وأمناء الدعوة وشهود الوحي وجيل النبي صلى الله عليه وسلم الذين عاش فيهم ومات وهو راض عنهم ـ بكل ما كان منهم ـ فقد قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ).
خامساً: أن من يدعو إلى انتقاد الصحابة رضي الله عنهم ـ بغض النظر عن الأخ صلاح الفضلي ـ لا ندري أين ينتهي ومتى يقف؟ وكيف سيتصرف؟ وما هي مآربه ومقاصده؟ وهل يسعى إلى تحقيق مسألة أم إثارة فتنة؟ وهل ينوي طلب العلم والمعرفة أم تتبع العثرات وإثارة النعرات؟ وهل سينتقد المغيرة بن شعبة رضي الله عنه فقط أم سيعرج بعد ذلك على خالد بن الوليد رضي الله عنه؟ ثم يلحق به أنس بن مالك رضي الله عنه؟ ثم سيتناول بعض أمهات المؤمنين رضوان الله عليهم كعائشة وحفصة رضي الله عنهما، ثم لا يكف عن التحرش بشيخي الصحابة وسيديهم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما
عبدالله نجيب سالم
إن إثارة قضية انتقاد الصحابة على اعتبار أنها مسألة بحث علمي أو محاولة لتصويب التاريخ الإسلامي أو أي أمر آخر لن تمر بسهولة في الصحافة، خاصة إذا كان الذي ينادي بها من الطرف الآخر الذين لهم مواقف معروفة واضحة لا لبس فيها تجاه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ولا داعي لتحريكها.
رابعاً: مناقشة ونقد أفعال الصحابة رضوان الله عليهم أجميعن مسألة قديمة جداً وليست وليدة اليوم أو الأمس وقد خاض العلماء غمارها بثقة وثبات وتكلموا فيها بصراحة ونزاهة، وهم ملتزمون بإثبات الحب لهم واحسان الظن بهم والإشادة بحسناتهم والتجاوز عن هفواتهم وقبول تعدد آرائهم وعدم الانتقاص لهم، وذلك لاعتبارات عديدة:
ثالثاً: ومع ثبوت رتبة الصحبة العالية لهم لم يقل أحد إن الصحابة معصومون, بل هم بشر كباقي البشر. وهذا ينبني عليه أمران:
ثانياً: صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتبة دينية خاصة ومنزلة إيمانية مميزة, وليست وصفاً مجرداً لحالة صادفت حياة أناس مع رجل أو قوم مع نبي بل هي منزلة تلي منزلة النبوة والرسالة لها حقوقها التي من أهمها توقير واحترام وحب وعدالة من ثبتت له هذه الميزة وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم "إن الله اختار لي أصحاب من العالمين بعد الأنبياء والمرسلين" وقوله تعالى (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ إلى قوله: مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا).
والذي استنتجته من قراءتي للمقال المذكور أمران إثنان:
الصفحة السابقة