رسالة في جواز قراءة القرآن على الميت
إعداد:
الشيخ: عبد الله نجيب سالم
الباحث العلمي بالموسوعة الفقهية
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان الشاملان الدائمان على سيد الخلق وحبيب الحق، محمد بن عبد الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، وإمام الهداة المهتدين، وقائد الغر المحجلين. ورضي الله عن الصحابة الطيبين الطاهرين الذين آزروا نبي الله r ونصروه في ساعة العسر واليسر والمنشط والمكره، وعن آل بيت النبي r المكرمين الذين قال الله فيهم: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) [الأحزاب: 33].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كلام الله تعالى، وخيرَ الهدي هدي سيدنا محمد r، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ومعلوم أن كل ضلالة هي وصاحبها في النار.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا {70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70- 71] صدق اللهالعظيم.
اعلم أخي المسلم، وفقني الله وإياك لمرضاته واتباع شريعته: أن الأحكام الشرعية في المسائل التعبدية وغيرها إنما محلها علم الفقه الذي هو الفهم العميق الواعي للنصوص الشرعية، والذي في مضماره ومجاله يتنافس العلماء في إبداء أفهامهم والإدلاء بآرائهم بنية خالصة واجتهاد دقيق، حتى يجنوا ثمار هذا الجهد ويحصدوا محصوله على شكل أحكام مستنبطة في الواجب والحرام، والمسنون والمكروه، والمباح.
وليس لعوام المسلمين ومن ليس في مرتبة المقدرة على الخوض في هذا الميدان، ليس لهم أي حق في التعدي على حدوده أو انتهاك حرماته، بل الواجب المتعين على عامة المسلمين أن يعودوا في تعرّفهم الحكْم إلى أهل الذكر كما قال الحق جل في علاه: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل: 43]، فإذا عادوا إليهم أفهموهم ما لم يفهموا، وبينوا لهم ما لم يعلموا، وأزالوا لهم اللَّبس عما أشكل عليهم، وساروا بهم على مَحَجة بيضاء وحنيفية سمحاء، فوصلوا بهم ـ بتوفيق الله ـ إلى بر الأمان وجنة الرضوان.
وإن من أكبر الأخطار وأعظم الأضرار أن يقتحم في المسائل العلمية من ليس أهلاً لها أو كفواً لتحمل مسئولياتها، فذلك هو الهلاك المبين والخسران المشين.. ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه..
وسنقدم أمام بحثنا هذا في بيان حكم قراءة القرآن على الأموات وهل يصل ثواب تلك القراءة أم لا، سنقدم بعدّة فصول تكون ممهِّدة ومهيِّئة له.
فصل: أقسام المسائل الشرعية بحسب الاتفاق عليها والاختلاف فيها
المسائل الشرعية عموماً على ضربين: إما متفق عليها وإما مختلف فيها.
فأما المتفق عليها فهي التي لا يخالف فيها أحد، ولا تخفى على أحد، وليس فيها مزيد لأحد، ولا يستطيع أن يدعي فيها الإصابة أحد دون أحد، بل هذا الضرب من المسائل ليس محل خلاف ولا اختلاف، ولا نزاع ولا تنازع، بل هو مما صح فيه وصف الإجماع، وصح في مخالفه وصف الشذوذ والخروج على الجماعة حيناً أو على الدين كله أحياناً.
ومثال ذلك: أركان الدين، كالشهادتين والصلاة والصوم والزكاة والحج، وبر الوالدين، واستقبال القبلة، ففي فرضية هذه المسائل وأشباهها إجماع واجتماع، لا اختلاف فيها ولا خلاف، بل من خالف في ذلك فقد كفر من حيث كونها معلومة من الدين بالضرورة لكل مسلم.
ومثال ذلك أيضاً: حل البيع والتجارة، وحل المرأة المسلمة لزوجها المسلم، وحل المال الحلال لصاحبه، وحل الطعام في غير نهار رمضان، وحل السفر، ونحو ذلك من المباحات التي أجمعت الأمة ـ ممثَّلة في علمائها ـ على حل ذلك وإباحته، فمن أنكر من إباحة ذلك شيئاً دون سبب زائد فقد حرّم ما أحل الله، وذلك كتحليل ما حرم الله. كيف لا وقد قال الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم: 1]، (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ {116} مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: 116- 117].
ومثال ذلك كذلك: تحريم الربا والزنا ونكاح المحارم ونشوز الزوجة بلا سبب، وظلم الرجل زوجته وعقوق الوالدين وموالاة الكفار ومعاداة المؤمنين، وغير ذلك مما هو محرم قطعي التحريم وردت الدلائل فيه صريحة واضحة لا لَبس فيها ولا غموض، فلم يكن ثمة مناص لأحد أن يحيد عن تحريمها بعد أن حرمها الله، حتى لا ينتهك حرمات الله ويتجرأ على محارمه: «ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه»[1]، «إن الله يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله»[2].
وأما الضرب الثاني من المسائل الشرعية فهي المسائل المختلف في حكمها:
والاختلاف إنما يكون مع عدم ورود نص صريح، أي بتعبير الفقهاء: عند عدم ورود نفي قطعي الثبوت قطعي الدلالة، فأما مع وروده فقد اتفق كل أهل الإسلام على أنه (لا اجتهاد في مورد النص). فأما إذا لم يكن في المسألة نص صريح صحيح بل كان ثمة نص صحيح غير صريح؛ كآية عامة، أو نص صريح غير صحيح كحديث ضعيف، أو كان في المسألة نصان ظاهرهما التعارض وهما في قوة واحدة، فمن هنا ينشأ الخلاف في الرأي وتتعدد أقوال العلماء في المسألة.. فترى قائلاً منهم يقول بوجوب أمر، بينما ينص الآخر على أنه مستحب لا واجب، وترى عالماً ينهى عن أمر ويحكم بتحريمه بينما عالم آخر لا يكاد يشدد في تحريمه مثل الأول، بل يكرهه كراهة تنزيهية مثلاً، وترى وترى...
وإذا دققنا النظر في أسباب هذا الاختلاف وجدناه طبيعياً أولاً، ومفيداً ثانياً. فأما كونه طبيعياً فلأنه نشأ من احتمال الأدلة لكل الأفهام، ولا ضير على أحد أن يفهم ما يحتمله النص ما دام فهمه مدعماً بأدلة أخرى من نصوص عامة أو أحاديث غير قوية أو دلائل لغوية أو قرائن وافية أو نحو ذلك... فمن ذا الذي يدعي لنفسه الحق في الحجر على أفهام العلماء، ومن ذا الذي يبلغ به الغرور إلى درجة نبذ المخالفين به بأوصاف يعود وزرها عليه .
وأما كون الخلاف مفيداً فلأنه يمدنا بثروة علمية مبنية على آراء عديدة مستنبطة من أدلة شتى، فهو يثري الفقه ويوسع أفق العالم ويؤنس الباحث في غمرة بحثه عن الأصح والأوجه، كما أن من فائدته أن يكتب الأجر لكل عالم أدلى بدلوه وشارك بفهمه، حتى ولو لم يكن مصيباً فيه، مصداقاً لقول المصطفى r: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر»[3].
وتكاد تكون المسائل المختلف فيها في الشريعة أكثر من المسائل المتفق عليها، وما ذلك إلا لأن المسائل المختلف فيها إنما هي فرعيات لأصول ثابتة. ومعلوم كثرة الفروع وزيادتها على الأصول، ومعلوم عدم التضرر من الخلاف فيها كما لو جعل الخلاف في الأصول ولكن ــ قبل أن نسوق أمثلة على المسائل المختلف فيها ــ نحب أن ننبه إلى أمرين اثنين مهمين:
أولهما: أن المسلم إن استطاع أن يخرج من خلاف العلماء في مسألة ما، بجمع الأقوال دون تضاد، فمن المستحب له ذلك، وقد درج على ألسنة الفقهاء كلام لطيف هو: (ويستحب فعل كذا أو ترك كذا خروجاً من الخلاف).
ثانيهما: أن المسائل المختلف فيها على كثرتها ولكونها فرعية لا تؤثر في أصل الدين ولا تهدم شيئاً من أركانه، ومن ضيق الأفق أن نتصور خلاف ذلك. لذلك فإن الأمة على مر الزمن وتطاول السنين نظرت نظرة ارتياح وافتخار إلى تراثها الفقهي، وحافظت عليه وزادت فيه، واعتبرت ذلك ديناً وخيراً، وفضيلة وعلماً، فالاجتهاد باب مفتوح لكل قادر على متطلباته. ونعود بعد هذين التنبيهين إلى ضرب الأمثلة على المسائل المختلف فيها فنقول:
مثال ذلك: الاختلاف بين إيجاب صلاة الوتر واستحبابها، والاختلاف في وجوب المضمضة والاستنشاق أو استحبابهما، وبين وجوب الزكاة في الحلي المباح وعدمه، وبين القنوت في الفجر وتركه، وبين وجوب الحج على الفور أو على التراخي، وبين تكفير تارك الصلاة عمداً بسبب الكسل لا الإنكار وبين تفسيقه، ونحو ذلك مما لا يخفى على متعلم.
ومن المسائل المختلف فيها: مسألة جواز قراءة القرآن بنية هبة ثوابها إلى الميت بفروعها.
فصل: أثر كون المسائل المختلف فيها من الدين
وينبني على كون المسائل المختلف فيها من الدين ومن لب الفقه ومن أصل الشريعة عدم جواز اعتبار ما خالف فيه أحد من العلماء عالماً آخر بسبب نتائج الاجتهاد في تلك المسائل ـ بدعةً منكرة يدخل صاحبها في عداد المبتدعة المرذولين، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً
فمن المعلوم أن البدعة هي من أشر الأعمال وأقبحها عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين، وقد ورد النهي عنها بحزم وجزم وتشديد وتهديد: «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»[4]. وجعل النبي صلى الله عليه وسلم بديلاً طيباً لأمته وأتباعه عن الابتداع، وهو الاتباع: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» وأمرنا جميعاً بالتمسك بذلك وبالحرص عليه: «عضوا عليها بالنواجذ»[5].
ولكننا نفهم من تعريف البدعة حسب ما قاله العلماء ـ وهي: طريقة في الدين محدثة، يراد بها الزيادة على الشرع أو إبطال ما جاء به ـ نفهم من ذلك أن البدعة تعني سلوك طريق آخر غير طريق الله ورسوله وأئمة الدين الذين هم حملة الكتاب والسنة وملاذ الخلق في حل المعضلات.
ومن هنا فإن ما يجب التذكير به في باب البدعة المذمومة القبيحة أمور:
أولها: أن كثيراً من العلماء قسموا البدعة من حيث المفهوم اللغوي (وهي الشيء الحادث) إلى قسمين: بدعة مذمومة، وبدعة محمودة. واعتبروا لكل قسم أمثلة واضحة. فمن البدع المذمومة: اتخاذ صلاة معينة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو الزيادة في الأذان بما لم يرد به الشرع، أو عادة التبرج القبيحة في النساء، أو عادة شرب الدخان في الرجال والنساء على السواء، أو بدعة الحكم بغير ما أنزل الله، أو بدعة موالاة الكفار من الإنكليز والأمريكان والروس وغيرهم، أو بدعة انتشار الأغاني والملاهي وإشغال الناس بها ليل نهار، أو بدعة منع أهل العلم من الوعظ والتعليم في المساجد بغير عذر، أو بدعة تمييز المسلمين بعضهم عن بعض بحسب اللغة أو اللون أو الموطن.
ومن البدع المستحسنة: جمع القرآن وبناء المدارس وترتيب الرواتب للعاملين في المساجد من أئمة ومؤذنين وغيرهم، وأخذ الأجر على القضاء والإمارة، وإنارةُ المساجد، وجمع الناس على التراويح، ونحو ذلك مما يدخل في عموم اجتماع الأمة على أمر: «سألت الله عز وجل ألا يجمع أمتي على ضلالة، فأعطانيها..»[6]، خاصة أن عمر t قال لما رأى اجتماع الناس للتراويح وراء إمام واحد: (نعم البدعة هذه)[7].
وقد أشار رسول الله r إلى ذلك في حديث عام الدلالة: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»[8]. ويدخل في عموم قول ابن مسعود t الذي قال عنه رسول الله r: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد»[9]، فقد قال ابن مسعود: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)[10].
ثانيها: أن الأمور الخلافية ـ خاصة تلك التي قال بها علماء السلف الصالح واختلفوا في آرائهم بصددها ـ لا يجوز وليس من الدين إدخالها في زمرة البدع المستقبحة. وإلا لكان هؤلاء الذين خالفوا غيرهم، ـ وكلهم من أهل القرون المفضلة ـ قد أدخلناهم دون أن ندري في حشود الضلالة وسقناهم إلى النار، وحاشا لله أن نقول ذلك.
فالحق كل الحق في مثل تلك المسائل أن ينظر فيها بتجرد ونزاهة، حتى إذا استقر رأي المجتهد فيها على شيء قال: هذا رأيي وهو أَحسن ما أُحسن وأدين الله به، ولغيري أن يجتهد، وليس من حقي أن أحجر عليه شيئاً من ذلك، وإذا توصل غيري إلى غير رأيي فله أن يتبعه فإن ذلك شأنه، وذلك ما توصل إليه بجهده، وهو بحسب ما هو عليه مصيب، وأنا بحسب ما أنا عليه مصيب، والله سبحانه وتعالى يثيب كلاً على نيته ويتقبل من كلٍّ عمله.
أما موضوع الحب والبغض في الله فذلك أمر لا علاقة له بالخلاف في الفقه والفروع والمسائل الاجتهادية، بل إن الواجب المتيقن على كل مسلم أن يبذل المحبة والإخوة لكل مسلم ولو لم يكن متفقاً معه في بعض الفروع والمسائل. فالحب في الله هو الأرض المباركة التي تُقل كل المسلمين، وهو السفينة المبحرة بهم في بحر الظلمات، وهو الهواء النقي الذي يمدهم بسرّ السعادة.
إن البدعة التي يذم صاحبها ويتوعد بأشد الوعيد ويستحق منا البغض والكراهية..، هذه البدعة التي هي محض ضلالة وافتراء على الله وعلى دينه فيما أحل وحرم، هي بعيدة كل البعد عن معنى الاجتهاد ونتائجه، وجهود الفقهاء وثمراتها. فالعاقل والعالم يقف عند هذا الحد الذي لا يخلط فيه الحق بالباطل، ولا الحدود الشرعية بالشهوات الشيطانية.
وكم من قوم سخر منهم الشيطان ولعبت بهم الأهواء وزاغت منهم الأبصار عندما نظروا إلى رأيهم فتعصبوا له، وإلى رأي غيرهم فمقتوه. وذلك فيما لا دليل لديهم على إثبات الصواب المحض الذي لا تشوبه شائبة. ورائد الجميع من علماء المسلمين هو رضوان الله بعيداً عن سخطه، وبحثهم دائماً عن الحق لا التعصب.
فصل: سبيل الحكم على المسائل المستجدة
من المعلوم أن كثيراً من المسائل إما جدّت بالكلية بعد عهد النبي r أو تغير وجه بعض الأمور فيها من بعده r. وهذه المسائل بعضها توابع من التعبديات وبعضها من المعاملات تحتاج إلى وقفة منا قصيرة. فمثلاً: سهم المؤلفة قلوبهم، وأرض السواد المفتوحة عنوة بالجهاد، وجمع الحديث النبوي الذي نهى عنه النبي r بادئ ذي بدء، وزيادة حد شارب الخمر، كل ذلك مسائل كانت على عهد النبي r بصورة محددة، ثم طرأت في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ظروف وملابسات دفعتهم إلى إعادة النظر في جوانب منها ولم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام تغير الأحوال. فمثلاً: لما قويت شوكة الإسلام أوقفوا سهم المؤلفة قلوبهم واستغنوا عن مجاملتهم وإعطائهم لكسب ودهم، ولما كان توزيع أرض السواد ـ وهي من ضمن الغنائم ـ يضر بالمسلمين عامة ويؤدي بالمجاهدين خاصة إلى ترك الجهاد والانشغال بتدبير شئون الأملاك امتد بهم النظر إلى ضمها إلى خزينة الدولة وتقسيم عائدها على المسلمين أجمعين، ولما استقر شأن القرآن ولم يعد يخشى عليه من الاختلاط بالحديث، وظهر الكذابون الذين يدسون في حديث رسول الله r على الرغم من النهي الصريح عن كتابته[11]، وفهموا كيف أن النهي كان لعلة فلما زالت معه زال النهي. ولما استمرأ الناس شرب الخمر وفشَت فيهم عادة الاستهتار بحده الأصلي الذي هو أربعون جلدة اتفقت الكلمة على رفعه إلى ثمانين جلدة ليكون أردع وأرهب.. وهكذا كان الفقه في أصحاب رسول الله r بعيد النظر صائب الوجهة، باحثاً عن الهدف المنشود، حتى ولو تغيرت بعض الصور التي كانت عليها مسائل في عهد النبي r.
وإذا كانت تلك المسائل أمثلة على ما تغير بعد النبي r فإنا نستطيع أن نعد كثيراً من المسائل التي حدثت في عهد الصحابة رضوان الله عليهم مما لم يكن له وجود في عهده r، ومع ذلك لم يقفوا مكتوفي الأيدي لا يهتدون سبيلاً، و لم يقولوا: هذا أمر لم يفعله النبي r فنحن لا نبيحه، أو لم يعتبروا حدوثه في عهدهم والبحث له عن حكم شرعي ووضع سوي بدعةً من البدع التي يشنَّع على صاحبها.
ومن ذلك زيادة أذان ثالث لصلاة الجمعة قبلها، لما توسعت المدينة المنورة في عهد عثمان t وانشغل الناس بالتجارة والأسواق مما استدعى زيادة التنبه والإيقاظ للنفوس. ومنها تحديد أجر (راتب) كاف للخليفة لقاء تفرغه لأعمال الخلافة كما فعلوا حينما ألزموا أبا بكر الصديق t بترك تجارته والقعود للمسلمين ولمصالحهم. وكما فعل عمر بن الخطاب t عندما دخل المسجد فوجد الناس في صلاة التراويح أوزاعاً متفرقين فجمعهم النساء على إمام والرجال على إمام حتى توحدت جماعتهم وقال: (نعم البدعة هذه)[12]. وكما فعل أبو بكر الصديق t عندما جمع القرآن الكريم بين دفتين مكتوباً، وهو أمر لم يَرُق في بدايته لكثير من الصحابة واعتبروه جديداً لم يكن على عهد النبي r، ولم يفعله، ثم وافقوا بعد أن هداهم الله للحق وشرح صدورهم له.
إذن ــ وهذا مهم جداً لكل مسلم ــ فالأمور التي لم تكن على عهده r بالكلية بل ظهرت بعده، ليس ثمة دليل على تحريمها ابتداء لمجرد كونه r لم يفعلها، بل إنها تحتاج إلى بحث وتمحيص، فإن تحقق وجه المصلحة فيها وكانت مما يؤيد الدين ويشد أزره، ويدعو إلى الحق ويعضده، ويزيد في الإيمان ويثبته قلنا بجوازها أو باستحبابها، من حيث إنها توصل إلى خير وتهدي إلى بر وتؤدي إلى حق... وليس في إثبات فضلها ورجاء الخير لفاعلها أي تعارض مع قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [المائدة: 3]، ولا مع قوله سبحانه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21]، ولا مع قوله r: «إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»[13] لأن هذه المسائل والأمور هي أشبه ما تكون بالأمور تلك التي جدت على عهد الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي r، فأقروها وعملوا بها لما فيها من خير هو مما تضمنه ديننا وكملت به النعمة علينا، وهو من هدي النبي r العام الذي لا حدّ له، وهو من السنن الحسنة والبدع الطيبة لا الانحرافات الزائفة والبدع المرذولة..
ومن هذا القبيل احتفال المسلمين وفرحهم وإظهارهم البِشر بولادة سيد الكائنات محمد عليه الصلاة والسلام، بصورة تحيي الدين، وتذكّر بالسنة، وتدعو إلى الهدى، كقراءة القرآن وسرد السيرة النبوية والإكثار من ذكر الله على الصورة المشروعة، دون ارتكاب محرم أو فعل فاحشة، فما الذي يضير فيه ويضر؟! وما هو وجه التعارض بينه وبين قوله سبحانه في الآيتين السابقتين أو قول النبي r في الحديث السابق؟!.. وهل من نص صريح وواضح في النهي عن ذلك، أم هو الوقوف دون إنصاف والنظر بلا اعتدال إلى محاسن تلك الاجتماعات الكريمة وما فيها من كلِم كريم ومعانٍ كريمة؟!
إن عدم ورود نص بالإباحة ـ خاصة في أمور العادات وما لا يعتقد أنه عبادة أصلاً ـ لا يعني أبداً عدم الحل أو عدم الجواز أو المبادرة إلى التحريم، بل يجب أن ننظر في أهداف ذلك الجديد وأحواله والداعين إليه ونتائجه العملية وظروفه المحيطة به، حتى نكون فقهاء نفهم فهماً بعيد الغور صحيح القصد طيب الثمرة.
ولعل من تلك العادات المستحدثة ذات الأصل الثابت في الدين: ما تظاهر عليه المسلمون شرقاً وغرباً واتفقوا عليه في كل عصر ومصر، منذ القديم الممتد إلى قرون السلف الأولى إلى الحديث المثبت في حياتنا المعاصرة، من قراءة القرآن على الأموات وهبة ثوابها لهم والاجتماع على ذلك ابتغاء الخير والبركة وطلباً لحصول الأجر والمثوبة...
فمن التسرع القول بأن هذا العمل محرم أو ممنوع أو هو بدعة، لمجرد أنه لم يفعله كما هو عليه الآن رسول الله r، دون النظر إلى الدلائل العامة المبيحة والمؤيدة للفعل. وهي دلائل كثيرة كما سنرى كلها من كتاب الله وسنة رسوله r ومن فعل سلفنا الصالح رحمهم الله.
ومن الخطأ في الظن والجهل في العلم القول بأن لا دليل من الشريعة على ذلك، فإن قائل مثل هذا القول إما أنه يقلد بقوله آخرين ـ علم الله نياتهم ـ دون أن يحقق القول ويثبت فيه، أو رجل آخر علم الدليل ولكنه أعرض ونأى بجانبه عنه حتى صوّر الأمر محرماً ـ وهو غير ذلك ـ، وممنوعاً وما لديه من دليل على المنع. لأننا سنرى كم من دليل خاص بالمسألة وعام فيها وفي غيرها ـ يسوقه لنا العلماء المحققون الذين يقولون بجواز ذلك واستحبابه.
فصل: كيفيات تأدية الناس الختمةَ عن روح الميت
وإن من المسائل التي تحتاج إلى توضيح ــ وهي مسائل عديدة أثار بسببها البعض شغباً وريبة ــ وتحتاج إلى إظهار أدلتها وبيان وجه القائلين بها من جمهور علماء المسلمين وكافة عوامهم: مسألة قراءة القرآن الكريم بنية هبة ثوابه إلى الميت، وهي المسألة التي يعرفها الناس في أوضح صورها وإجلالها بـ (الختمة عن روح الميت).
والصورة الواقعة المعروفة لدى الناس، والتي تتعرض لإنكار بعض المتشددين: أن يجتمع الناس بعد وفاة الميت في بيته أو بيت أحد أقاربه أو حتى في المسجد، فيقومون بتوزيع أجزاء من القرآن الكريم على كل واحد منهم ليقرأه، ثم بعد الانتهاء من ذلك، وبعد أن تتم قراءة الأجزاء الثلاثين للقرآن الكريم كلها بخشوع وتدبر، يدعو أحد الحضور لنفسه وللحاضرين أن يجعل الله ثواب هذه القراءة لفلان أو فلانة من الأموات، كما يدعو لنفسه وللحاضرين بكل خير من خير الدنيا والآخرة.
وقد تتم الختمة عن روح ميت قريب العهد بالوفاة أو بعيد العهد بها، لا فرق.
وقد يكون المجتمعون لقراءة الختمة مجرد أقرباء الميت كأولاده وإخوته وبناته وعصبته ورحمه، أو يكونون أصدقاءه ومعارفه وجيرانه ورفقاءه، أو حتى من سائر المسلمين الذين يتألمون لألم المسلمين ويفرحون لفرحهم.
وقد تتم القراءة أحياناً على القبر نفسه، أو تتم قراءة الفاتحة على القبر، أو قراءة الفاتحة وسورة يس وسورة النبأ وسورة ألهاكم التكاثر والمعوذتين وقل هو الله أحد.
وربما يتم الاتفاق مع قارئ فقير ليقرأ الختمة وحده أو مع غيره، ثم يتم إكرامه بعد ذلك.
وقد تكون هناك صور أخرى جانبية لكنها لا تخرج عما ذكرته، ولا تعدو أن تكون هبة لثواب قراءة القرآن الكريم إلى الميت.
وبسبب ما ذكرته من اعتراض بعض الناس ممن اشتهر بالجدل وإثارة العوام... أستعين بالله سبحانه قاصداً وجهه الكريم ونصرة دينه الحنيف والذب عن الحق الأبلج الذي نعتقده نحن وعموم المسلمين، لبيان الحكم الشرعي في هذه المسألة التي أدلى فيها علماء الإسلام من قبل بأقوالهم وأظهروا فيها أدلتهم، سائلاً المولى سبحانه أن ينفع بهذا البحث رجلاً نزيهاً أو شاباً عاقلاً أو مسلماً صادقاً لا يبتغي من أقواله وأفعاله وأحواله إلا الحق، فالحق أحق أن يتبع... بعيداً عن التعسف والتنطع والتعصب والتبجح.
وسوف أستعرض الأدلة في هذه المسألة مرتبة، فأذكر أولاً تعارف المسلمين على قراءة القرآن على الأموات منذ عهود السلف الأول، ثم أذكر الأدلة النصية العامة والخاصة فيها، ثم أذكر أقوال علماء المذاهب الأربعة فيها، ثم أذكر ما يمكن أن يكون أهدافاً نبيلة ومقاصد حسنة لهذه العادة الطيبة، ثم أختم ذلك كله بنصيحة إلى المسلمين مما يتعلق بشأن القرآن الكريم.
والله أسأل ــ وهو حسبي ونعم الوكيل ــ أن يعين ويتقبل، وأن يسدد ويرضى.
* أدلة مشروعية قراءة القرآن على الأموات:
أولاً: (تمهيد): تعارف المسلمين منذ عهود السلف الصالح رحمهم الله على تلك القراءة على الأموات:
وليس أدل على وجود تلك العادة قائمة من معرفتنا لها من خلال شعر قدماء الشعراء في مجتمع المسلمين، كابن الرومي (221 هـ ـ 283هـ) الذي قال ذات مرة عن طبيب يذمه:
أفنى وأعمى ذا الطبيب بطبه وبكـحـله الأحـيـاء والبصـراء
فإذا مررت رأيت من عميانه أممــــاً على أبوابــه قـراء
وبهذا نستفيد وجود تلك الحالة منذ القدم في سالف المسلمين، حيث صوّر ابن الرومي من أصابهم العمى من دواء هذا الطبيب وهم يتلون القرآن على من سبقهم إلى الموت من دوائه وهم كثر.
وأفضل من شعر ابن الرومي في هذا الاستدلال: ما رواه الخلال عن سلمة بن شبيب، قال: "أتيت أحمد بن حنبل (164 هـ ـ 241هـ) يصلي خلف ضرير يقرأ على القبور"[16]، وإذن فالقراءة على القبور وإهداء ثوابها إلى الأموات كانت أيام القرون الأولى في عهد سلفنا رحمهم الله.
كما روي عنه ـ كما سنرى تفصيلاً فيما بعد ـ أنه بعد أن انتهى من حضور جنازة مع علي بن موسى الحداد ومحمد بن قدامة الجوهري جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له: (يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة)، ثم عاد فسمح له بذلك بعد أن علم ثبوت دليل عليه.
وإذا تقصينا أحداث تاريخ السلف الصالح رحمهم الله نسمع الشعبي ـ وهو تابعي جليل من كبار التابعين (13 ــ 109هـ) فيما يرويه عنه الخلال[17] قال الشعبي: (كانت الأنصار إذا مات الميت اختلفوا إلى قبره يقرءون عنده القرآن).
وهذا الشافعي رحمه الله (150 ـ 204هـ) يسأله تلميذه الحسن بن الصباح الزعفراني عن تلك القراءة. يقول الزعفراني: سألت الشافعي عن القراءة عند القبر فقال: (لا بأس بها)[18].
بل إن ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ يقول[19] مبيناً وجود تلك القراءة منذ عهود السلف الصالح: "وقد ذكر عن جماعة من السلف أنهم أوصوا أن يقرأ عند قبورهم وقت الدفن". قال ابن القيم: "قال عبد الحق: يروى أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أمر أن يقرأ عند قبره سورة البقرة، وممن رأى ذلك علي بن عبد الرحمن، وكان الإمام أحمد ينكر ذلك أولاً حيث لم يبلغه فيه أثر، ثم رجع".
كل تلك الآثار وغيرها تدلنا على أن الأمر هذا قديم ليس من البدع المستحدثة ولا الأفعال المخترعة، وإنما هو شيء مضت عليه سنة المسلمين خلفاً عن سلف، وانتشر وشاع بينهم مع إقرار كثير من أكابر العلماء لذلك وفعلهم له.
وهذه مسألة من الأهمية بمكان، فإن الأمة الإسلامية إذا تلقت الأمر بالقبول وشاع فيها وفشا وأقره أهل العلم وفعلوه أصبح من الطيبات المقرة، وإذا انضم إلى ذلك كونه ذا صلة بأمر تعبدي أصبح مطلوباً مرغباً فيه شرعاً؛ لما يكون فيه من إحياء العبادات واستمراريتها وتأكيدها. وأشهر مثال على ذلك استخدام مكبرات الصوت لإبلاغ الأذان، وكذا بناء الربُط، وما قام به علماء كل فن شرعي ـ كالتفسير والحديث الشريف والفقه وأصوله واللغة العربية وسواها من الفنون ـ، إذ نهضوا لتدوين كل فن وجمعٍ شتاته وتأصيله وضبط قواعده، مع أن كل هذا لم يكن أيام النبي r، فحيث إن الأمة قبلت ذلك واستخدمته لخدمة الدين أصبح مطلوباً مرغباً فيه مأجوراً فاعلُه والمعين عليه.
فإذا اتسع بنا الأفق لننظر إلى قراءة القرآن على الميت سواء عند قبره أو في البيت وجدناه مشهوراً في الأمة أولاً، مساعداً على الحصول على ثواب القراءة ثانياً، مذكراً بكتاب الله ثالثاً، داعياً إلى الخير وتلاوة الكتاب الكريم رابعاً، فأنعم بهذه الخصال كلها من أمور كريمة فاضلـــة.
ثانياً:الأدلة الشرعية التي نصت على الندب إلى ذلك أو استحبابه أو جوازه مع الفضيلة:
أ ـ عن معقل بن يسار عن رسول الله r قال: «اقرءوا على موتاكم يس»[20]، وهذا الحديث غير محصور في المحتضر الذي حضرته الوفاة، بل هو عام في الميت الحقيقي الذي فارقته الحياة، ويشمل تبعاً لعموم لفظه المحتضر. وقد قال كثير من العلماء بذلك، منهم ابن حجر العسقلاني حيث قال[21]: "(تنبيه): قال ابن حبان في صحيحه عقب حديث معقِل المذكور آنفاً، قال: أراد به من حضرته المنية، لا أن الميت يُقرأ عليه. قال: وكذلك: «لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله»[22]. وردّه المحب الطبري في الأحكام، وغيره في القراءة، ومسلّم له في التلقين". ويقول الصنعاني[23] بعد ذكره لهذا الحديث: "وهو شامل للميت بل هو الحقيقة فيه". ويقول الشوكاني[24]: "واللفظ نص في الأموات، وتناوُله للحي المحتضر مجاز فلا يصار إليه إلا لقرينة".
وهذا الحديث على ما قيل فيه من ضعف فإنه يتقوى بالأدلة الأخرى من فعل الأمة وتتابع العلماء على ذلك، وهو مما يعمل فيه في فضائل الأعمال، كما حقق ذلك الحافظ النووي رحمه الله، فيكون بذلك صالحاً للاحتجاج به لتضافر الأدلة.
بل إن الإمام أحمد قال[25]: حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثني المشيخة أنهم حضروا غُضَيف بن الحارث الثُّمالي حين اشتد سَوقه ـ أي نزع روحه ـ، فقال: هل منكم أحد يقرأ يس؟ قال: فقرأها صالح بن شُريح السَّكوني، فلما بلغ أربعين منها قبض. قال: فكان المشيخة يقولون: (إذا قرئت عند الميت خُفف عنه بها). قال صفوان: وقرأها عيسى بن المعتمر عند ابن معبد.
وابن كثير رحمه الله[26] أورد كلام الإمام أحمد في تفسيره، وقبل إيراده قال: "وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة، ـ أي إذا كان قد مات ودفن مثلاً ـ، وليسهل عليه خروج الروح ـ أي إذا كان لم يمت بعد ـ، والله تعالى أعلم".
ب ـ عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه قال لبنيه: إذا أدخلتموني قبري فضعوني في اللحد وقولوا: (باسم الله وعلى سنة رسول الله r)، وسُنوا على التراب سَناً، واقرؤوا عند رأسي أول البقرة وخاتمتها، فاني رأيت ابن عمر يستحب ذلك"[27].
جـ ـ قال النووي[28] رحمه الله: "روينا في سنن البيهقي بإسناد حسن أن ابن عمر استحب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أول سورة البقرة وخاتمتها".
د ـ قال ابن قدامة[29] رحمه الله: "وقد روي عن النبي r أنه قال: «من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف عنهم يومئذ، وكان له بعدد من فيها حسنات»[30]".
هـ ـ وقال ابن قدامة[31] رحمه الله: وروي عنه r: "«من زار قبر والديه أو أحدهما في كل جمعة فقرأ عنده (يس) غفر له بعدد كل حرف منها»[32]".
و ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (من دخل المقابر ثم قرأ فاتحة الكتاب و(قل هو الله أحد) و(ألهاكم التكاثر) ثم قال: إني جعلت ثواب ما قرأت من كلامك لأهل المقابر من المؤمنين والمؤمنات كانوا شفعاء له إلى الله تعالى)[33].
ز ـ عن علي رضي الله عنه، عنه r أنه قال: (من مرَّ على المقابر وقرأ (قل هو الله أحد) إحدى عشرة مرة ثم وهب أجرها للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات)[34].
ـ تنبيــه هـام حول الأحاديث الآنفة الذكر:
ما ينبغي علمه ومعرفته جيداً: أن ضعف تلك الأحاديث لا يعني تركها وإعمال الرأي المجرد عوضاً عنها، في أمر تلقته أمة الإسلام بالقبول وعملت سلفاً ثم خلف، فإن ما هو أضعف من الحديث الضعيف العمل بالرأي المجرد والتشهي الذي لا دليل معه والعياذ بالله!.
وهذه الأحاديث ـ كما يعلم العالمون المنصفون ـ تصلح للاحتجاج بها في أبواب الحض والحث على فضائل الأعمال ومندوباتها ومستحباتها؛ لأن قراءة القرآن على الميت لا تعدو أن تكون من تلك الفضائل ولا تخرج عنها، خاصة أن تلك الأحاديث مما لم يشتد ضعفه، وما تدعو إليه يندرج تحت أصل عام متفق عليه وهو قراءة القرآن عموماً... وهذه الميزات هي شروط الأئمة للعمل بالحديث الضعيف.
والعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال يعتبر مذهب جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء وغيرهم، بل حكى الإمام النووي[35] الاتفاق عليه بين العلماء، كما حكى ذلك الاتفاق على العمل بالحديث الضعيف بشروطه السابقة الإمام ابن حجر الهيتمي[36].
وإذا ضممنا إلى من اشترط الشروط الثلاثة المعروفة للعمل بالحديث الضعيف من جماهير العلماء ـ من قال بجواز العمل بالحديث الضعيف بإطلاق إن لم يوجد غيره في الباب، كالإمام أحمد والحافظ وابن منده والإمام أبي داود والنسائي، أصبح العمل بتلك الأحاديث مسلكاً صحيحاً ومذهباً قوياً ورأياً سديداً.. هذا فضلاً عن حسن سند الأثر الوارد عن ابن عمر بأمره أن يُقرأ عليه بعد دفنه أول سورة البقرة وخاتمتها كما مر معنا، وابن عمر مشهور بشدة تمسكه بالسنة وحرصه على اتباع الحبيب المصطفى r. ولا عبرة بعد ذلك بتخرصات يطلقها بين الحين والآخر من غلب عليه التعصب، والله يقول: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8].
ولزيادة التثبت في هذه المسألة ورسوخ اليقين في القلب انظر كتاب (منهج النقد في علوم الحديث) للدكتور نور الدين عتر[37]، ففيه بحث لطيف جداً ومفيد.
ح ــ ومن الأدلة التي استدل بها العلماء على نفع القرآن عند قراءته للميت أن القرآن الكريم هو أفضل أنواع الذكر وأزكاه، فإذا كان الاستغفار للميت والدعاء له ينفعه بإجماع العلماء، فمن الدعاء له قراءة القرآن من أجله، أي إذا كنا بكلامنا البشري نسأل الله النفع له فينفعه فكيف إذا سألناه سبحانه بفضل كلامه. وهو ما أشار إليه قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) [الحشر: 10]. كما أن الأحاديث الصحيحة صريحة في نفع الدعاء كقوله r: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»[38].
ط ـ ومما استدل به بعض العلماء على نفع القرآن للميت إذا قرئ من أجله: القياسُ على حديث انتفاع صاحبَي القبر بجريدتَي النخل اللتين وضعهما رسول الله r على القبرين وقال: «لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا»[39]. قال القرطبي: "فقوله r «ما لم ييبسا» إشارة إلى أنهما ما داما رطبين يسبحان". فإذا كان تسبيح الشجر الأخضر يتعدى نفعه إلى الميت فالقرآن الكريم أعظم ولا شك وأفضل ولا ريب.
ي ـ ومما استدل به بعض العلماء على وصول ثواب القراءة إلى الميت أن رسول الله r قال: «إن من البر بعد البر أن تصلي عليهما مع صلاتك، وأن تصوم عنهما مع صيامك، وأن تصدق عنهما مع صدقتك»[40]. ومعلوم أن الصلاة لبّها وجوهرها وأعظم ما فيها القراءة التي هي كالعمود الفقري لها. فإذا كانت الصلاة تنفع الميت قطعاً فبعض ما فيها ينفعه كالقرآن والدعاء والاستغفار، ولا فارق بين هذا وذاك.
ثالثاً: أقوال علماء المسلمين من أصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم، قديماً وحديثاً:
1 ـ أقوال علماء المذاهب الأربعة:
أ- مذهب الحنفية:
قال الإمام الزيلعي[41] في باب الحج عن الغير ما نصه: "الأصل في هذا الباب أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره عند أهل السنة والجماعة، صلاة كان أو صوماً أو حجاً أو صدقة أو قراءة قرآن أو الأذكار إلى غير ذلك من جميع أنواع البر، ويصل ذلك إلى الميت وينفعه..." ثم استدل على ذلك بجملة من الأحاديث التي سبق إيرادها وأضاف إلى ذلك استدلالاً بحديث «أنه r ضحى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته»[42] أي جعل ثوابه لأمته. وعلق على هذا الاستدلال بقوله: "أي جعل ثوابه لأمته، وهذا تعليم منه عليه الصلاة والسلام أن الإنسان ينفعه عمل غيره، والاقتداء به هو الاستمساك بالعروة الوثقى".
وقد جزم البدر العيني ـ شارح البخاري رحمهما الله ـ في باب الحج عن الغير أيضاً من شرح الكنز، بوصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت، أسوة بغيره من الأعمال الصالحة.
وأما المحقق المحدث الكمال بن الهمام ـ رحمه الله ـ فقد علق في فتح القدير على إقرار العلامة المرغيناني لوصول ثواب الأعمال إلى الميت بكلام جيد موسع، مظهراً صحة هذا المذهب ورادّاً على المعتزلة المانعين لذلك.
وأما أخذ الأجرة على التلاوة فقد ألف مفتي دمشق الشام العلامة محمود أفندي الحمزاوي رسالة سماها ((رفع الغشاوة عن جواز أخذ الأجرة على التلاوة)) نقل فيها نقولات كثيرة واضحة ترجح جواز الأجرة على ذلك. منها ما نقله عن الفتاوى الهندية: "المختار الجواز (أي جواز الاستئجار لذلك)"، ونقل عن البحر: "المفتى به جواز أخذ الأجرة على ذلك" وعن حاشية الطحطاوي على الدر: "المختار جواز الاستئجار على قراءة القرآن على القبر مدة معلومة".
وقد ذكر أن المتأخرين من علماء الأحناف من كل الأقطار مطبقون على ذلك، وكفى باتفاقهم حجة لمن يريد السبيل.
ب ـ مذهب المالكية:
قال ابن رشد[43] ـ رحمه الله ـ في آخر النوازل في السؤال عن قوله تعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إََِلا مَا سَعَى) [النجم: 39] قال: "وإن قرأ الرجل وأهدى ثواب قراءته للميت جاز ذلك، وحصل للميت أجره".
|