دمشق الفيحاء
روى أبو داود في سننه عن عبدالله بن حواله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم ستجندون بعدي أجنادا ثلاثة: جندا إلى اليمين وجندا إلى الشام وجندا إلى العراق ، قال عبد الله: خر لي يارسول الله. قال: عليك بالشام فإنها خيرة الله في أرضة تجتبي إليها خيرته من عباده وأن الله قد تكفل لي بالشام وأهله". قال أبو ادريس الخولاني: ومن تكفل الله به فلا ضيعة عليه.
قلعة دمشق الشهيرة
إنها دمشق بلدة من بلدان الدنيا القديمة وحاضرة من حواضر العالم الإسلامي لم تتفق كلمة المؤرخين على أول من بناها لقدمها، فمنهم من يقول أنه العازر غلام ابراهيم الخليل عليه السلام، ومن يقول إنه بيوراسف الملك باني بابل ومن يقول إنه دمشقش غلام الاسكندر أو أنه دماشق بن نمرود بن كنعان أو دمشق بن قاني بن مالك بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام.
قبة النسر في الجامع الأموي

ألا أن المؤرخين جمعيا اتفقت كلمتهم على وصفها بأجل النعوت وأجملها وأوقرها وأوفرها، يقول بدر الدين حسن بن حبيب الحلبي : وأما دمشق فإنها في وجنة الدنيا كالشامة، وزينة البلاد كريش الطاووس أو طوق الحمامة وفي دائرة الأقطار كالنقطة المعلمة، وفي جيش الأمصار كالملك الذي نطق بالحكمة، وفي قلادة الأقاليم كالواسطة وفي سماء الحلل كالشمس التي بدت أشعتها في الوجوه باسطة وهي الربوة المباركة والغوطة التي جلت عن المماثلة والمشاركة.. الخ، وقد دخلت دمشق التاريخ الإسلامي في عهوده الأولى حينما افتتحها المسلمون بين صلح أبي عبيدة بن الجراح وحرب خالد بن الوليد في عهد الخليفة العادل أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه فسكنها المسلمون واشتد اهتمامهم بها حتى اتخذها بنو أمية في عصر معاوية رضي الله عنه عاصمة للخلافة فمنذ ذلك بدأ عصرها الذهبي بالازدهار ونجمها المضىء بالظهور والاسفار.. ويكفي بنى أمية فخرا في دمشق انشاؤهم مسجدها الشهير الذي سارت بمدائحه الركبان بعد أن أنفق فيه الوليد بن عبد الملك في حينه خمسة آلاف دينار وستمائة ألف دينار حتى ظن الناس أن بيت المال قد فرغ وقالوا في الوليد: إنه أنفد بيت مال المسلمين في حقه، وكان يعمر هذا الجامع ببعض ذلك، فما كان منه إلا أن جمع الناس وأظهر ماأبقاه من أموال جزيلة تكفيهم ثلاث سنين مقبلة، ثم قال لأهل دمشق: ياأهل دمشق إنكم تفخرون على الناس بأربع: بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم فأحببت أن أزيدكم خامسة، وهي هذا المعبد، فحمدوا الله تعالى وانصرفوا شاكرين له.
بقايا سور دمشق
وقد توالى على الاهتمام بالجامع الأموي في دمشق جمع غفير من الأمراء والملوك كل يحافظ عليه من عوامل الزمن فيرمم أو يجدد أو يزيد في بنائه أو مخصصاته أو وظائفه حتى بقي إلى يومنا هذا زينة الشام وعلم آثارها، وإننا ونحن نطوف بأطراف دمشق ونسعى بين جنباتها لايمكن أن نغفل ذكر قلعتها التي كانت في زمان ازدهارها مدينة صغيرة فيها كل ماتحتاجه للاكتفاء الذاتي من آبار ومجار للماء ومصارف وحمام وطاحون وحوانيت للبضائع ودور وحواصل، ويقال أن تيمورلنك لما حاصرها وعجز عنها أمر أن تنقب وتقطع الأشجار وتعلق بها حتى إذا انتهى تعليقها اطلق النار فيما تحتها من الأخشاب وظن أنها تفسخ بذلك وتسقط شذرمذر فيبلغ مراده من أخذ القلعة، فلما عمت النار فيما تحتها بركت كما يبرك الأسد ولها صوت مزعج أزعج الوجود فسماها الناس الأسد البارك.
خان أسعد باشا بدمشق
وكان على القلعة ثلاثة طبول متفرقة: يضربون في الثلث الأول من الليل كل واحد منهم ضربة، وفي الثلث الثاني من الليل يضربون كل واحد ضربتين وفي الثلث الأخير من الليل يطلع المؤذن على مئذنة العروس بالجامع الأموي ويعلق لهم قنديل الاشارة فيضرب كل طبل من الطبول ثلاث ضربات يشتغل في المنارات بالتسبيه والأذان.
شارع في دمشق القديمة
وإلى جانب قلعة دمشق في أهميتها تأتي المدارس الدينية الشرعية فلقد اختصت دمشق بحركة علمية نشطة ويكفي أن نقول أن ماأحصاه الإمام عبد القادر بدران في كتابه منادمة الأطلال ومسامرة الخيال بلغ مايقارب مئة وثلاثا وخمسين مدرسة عدا مدارس الطب والمدارس العامة والخوانق والأربطة والزوايا، وقد أثر هذا العدد الكبير من المدارس الشرعية أن حفلت دمشق بأعداد لاحصر لها من العلماء المبرزين منهم ابن كثير الدمشقي وابن تيمية وابن القيم وابن الحاجب والنووي وابن الصلاح وابن عساكر وابن عابدين وابن قدامة وغيرهم ممن يعتبر كل واحد منهم جبلا من العلم ومنارة في الهداية وبحراً في المعرفة.
المئذنة الشرقية بالجامع الأموي
وقد أفاض بعضهم في وصف المدارس تلك وأحوالها وطرائقها وأوقافها، ويقول ابن بدران أنه كان لجميع المدارس شأن عظيم فما من مدرسة إلا وكانت تضيق بطلابها لكثرتهم، وكان لكل مدرسة مدرس خصوصي ينتخب من الأفاضل الكبار وكان لهؤلاء المدرسين مجلس يحضره أغلب الفقهاء والعلماء فيذكر مسألة ويأخذ في تفصيلها وبيان دلائلها ويشركه العلماء في البحث ويتكلم الواحد منهم بما عنده وتطول ذيول المناظرة وإذا كان ثم أحد من العلماء غريبا أخذ في المذاكرة معهم.
ساحة المرجة قديما
ولا يستطيع أحد أن يتحدث عن دمشق الفيحاء دون أن يعرج علىعوطتها الغناء ونهرها الشهير بردى وبساتينها المتنوعة الأشجار المليئة بمختلف أنواع المستطاب من الثمار حتى قيل أن غوطة دمشق قطعة من الجنة في الأرض هذا خلاف مايقرب من دمشق من مصايف ومنتزهات.
من بيوت دمشق حي الصالحية
ولقد أشار أبو البقاء عبد الله بن محمد البدري في كتابه نزهة الأنام في محاسن الشام إلى ما في دمشق من ثمار وفواكه، ولدمشق قديما سور منيع محصن يحيط بها من كل جانب لحمايتها والدفاع عنها وفيه أبواب كثيرة شهيرة باب الجابية وباب توما والباب الصغير وباب السلام وباب الفرج والباب الحديد الخاص بالقلعة ويليه باب السر.
من حارات دمشق
قال أبوالبقاء البدري: واصطلح في آخر دولة ابن قلاوون أن من يولي نيابة دمشق أن يصلي عند هذا الباب ركعتين مستقبلا القبلة بحيث يبقى الباب على يسار ويقف أجناد القلعة وأرباب الوظائف والاتراك في منازلهم على حسب العادة حاملين السلح إلى أن يفرغ من صلاته ودعائه فإن أريد به شر قبض عليه ودخلوا من ذلك الباب ويقفلون الجسر بينهم وبين أعوانه وإن أريد به خير ركب في عزة ووجوه الدولة في خدمته إلى أن ينزل بدارالعادل التي أنشأها المرحوم نود الدين الشهيد.. ويقول: وغالب هذه الأبواب القديمة بني عليها منائر نور الدين الشهيد رحمه الله على مساجد وجعل لكل باب باشورة كالسويقة بها حوانيت مملوءة بالبضائع فإذا احصنت المدينة وقفلت الأبواب يستغني أهل كل باب من هذه الأبواب بما عندهم، وهو مقصد جميل.
سوق الحميدية بدمشق
وتفخر دمشق بمقابرها ومن دفن فيها من الكبراء على اختلاف أزمانهم ومآثرهم فمن مقابرها مقبرة باب الصغير وبها قبر بلال الحبشي وأبي عبيدة ومعاوية وأبي الدرداء وواثلة بن الأسقع ومقبرة باب شرقي وبها أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وضرار بن الأزور رضي الله عنهم ومقابر الصوفية وفيها ابن الصلاح وابن تيمية وابن المبارك وابن عساكر وابن كثير.. نعم لقد ارتضاها هؤلاء الصاليحن مأوى ومثوى وموطنا ومستقرا، قال الحافظ الواقي: دمشق بلاد الأنبياء وموطن الأصفياء من الصحابة والتابعين والأولياء.
الشيخ عبد الله نجيب سالم