هذه المدينة كانت أمنية النفوس وحلم الأمم ومقصداً من مقاصد الجهاد الإسلامي في أيامها كلها، بها تحققت معجزة من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: " ستفتح عليكم القسطنطينية فنعم الجيش جيشها ونعم الأمير أميرها ".
ولئن تأخر فتح القسطنطينية حتى عام 857هـ ـ 1543هـ فإن ذلك الفتح العظيم في تاريخ المسلمين سبقته غارات ومحاولات عديدة منها سبع محاولات في القرنين الأولين للتاريخ الإسلامي في أولها استشهد الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري الذي لايزال قبره شاهداً إلى اليوم، وقد أرخ بعضهم فتح القسطنطينية بقوله: بلدة طيبة.
والحديث عن هذه المدينة حديث واسع مستفيض لانستطيع احتواءه حلقة واحدة إلا إذا كنا سنمر مرور الكرام على أحداث عظام فنختصرها اختصارا ونشير إلى بعضها إشارة عابرة، ذلك أن فتحها وحده كان أسطورة من أساطير التاريخ وأعجوبة من أعاجيب الحروب، فكيف بما ضمته بين جنباتها من قصور وقلاع ومساجد ومدارس وأسواق وخانات ومصانع ومتاحف يعجز الوصف عن الإحاطة بها بل كيف يتجاهل المرء أنها كانت مركز الدنيا ومحل صنع القرارات العالمية الكبرى لمدد طويلة وعلى كل فلا بأس من الحديث المختصر الموجز عن فتحها.

أولاً: حشد السلطان العثماني محمد الفتاح جيشاً ضخماً من أحسن الجنود تدريباً وبأساً وحاصر المدينة من جهة البحر بعدد يقارب المائة والثمانين من السفن الحربية، وقد استخدم في حصاره كل أنواع الأسلحة المعروفة والمستحدثة ولجأ إلى كل الطرق الحربية القديمة والمخترعة، وكذلك صنع حصناً ضخماً متحركاً بسرعة لاتعلق به النيران ولا تؤثر فيه أسلحة الروم، فكان يدمر أبراجهم واحداُ إثر واحد ثم في الليلة التي سبقت هجوم الفتح أمر عساكره باشعال النيران ليلاً حتى استحال الظلام إلى ضياء وارتفعت ألسنة اللهب إلى السماء ودخل في قلوب سكان القسطنطينية الذعر والرعب .
وفي الظهر من يوم الفتح الأكبر دخل السلطان محمد الفاتح المدينة يمتطي صهوة جواده في موكب حافل يتبع وزراؤه وقواده وجنوده، وسار في الشارع المؤدي إلى كنيسة سانت صوفيا وترجل أمام الباب وانحنى ووضع حفنة من التراب على رأسه خضوعاً لله، وشكراً ثم دخل الكنيسة وطلب من المسيحيين المتواجدين داخلهاا أن ينصرفوا إلى بيوتهم آمنين، ثم أمر أحد المؤذنين فأذن للصلاة إيذانا بجعلها مسجداً جامعاً للمسلمين، ومنذ ذلك الحين أصبحت أيا صوفيا من أعظم مساجد الإسلام بعد أن أضيفت إليها المنارات العالية بل أصبحت القسطنطينية عاصمة بيزنطة مدينة "اسلام بول" أو الاستانة عاصمة الخلافة الإسلامية.
وقد أعاد محمد الفاتح إصلاح أسوار الأستانة وبنى فيها حصناً منيعاً له سبعة أبراج وعمل على تشجيع من بقي من سكانها على الإقامة والاستقرار واهتم بإنشاء المباني العظيمة حتى تحولت المدينة إلى ورشة للعمارة لاتهدأ ليلاً ولا نهاراً فبنى دار السعادة العتيقة بقرب الجامع الذي كان قد بناه السلطان بايزيد خان الأول وكذلك أمر ببناء جامعه المشهور باسمه وهو واقع على التل الرابع في المدينة.
وأمر السلطان محمد ببناء عدد من المدارس حول جامعه الكبير وشيد خلفها منازل للطلبة ومستشفى وحمامات وبقربها خانات لنزول المسافرين.
نعم لقد تغير وجه القسطنطينية كثيرا بعد إسلامها إذ كستها المساجد العظيمة التي قام بتشييدها السلطان العثماني ووزراؤه فخامة بالغة وبهاء فتاناً وروعة آخذة بمآذنها الشامخة وقبابها الراسخة وزخارفها البديعة وهندستها الرفيعة.
كما كانت المقابر المخصصة للسلاطين العثمانين قطعا فنية تشهد بالرقي والتقدم والذوق الرفيع، وكثرت في الأستانة الخانات للمسافرين والتكايا للمنقطعين إلى العبادة والزوايا للباحثين عن الهدوء والسكينة الروحية، ولم يمض نصف قرن على الفتح شيدت القصور العظيمة وهاجر إلى الأستانة عدد كبير من مسلمي أسبانيا ويهودها الذي اضهدتهم الكنيسة الكاثوليكية وأذاقتهم أصناف العذاب رغم أن الكنيسة في استانبول لم تفقد مركزها الديني وعاشت في ظل التسامح الإسلامي تمارس دورها القيادي بحرية بالنسبة للنصارى، وكثرت الأسواق الكبيرة التي تحوي كل أصناف البضائع من مختلف البلدان نتيجة التسهيلات التجارية الكثيرة التي منحها العثمانيون للمهاجرين والتجار.
وتضم استانبول اليوم روائع فن العمارة الإسلامية خاصة في المساجد كمسجد السلطان سليمان القانوني الذي وضع تصاميمه سنان باشا أعظم مهندس للمساجد في التاريخ.
وفي استانبول أيضا الروائع النادرة مثل مسجد السلطان بايزيد الثاني ويتميز بالمداخل العالية والزخارف المختلفة بأسلوب فارسي وبعقود شيدت من الرخام الأبيض والأسود على التوالي في تناسق بديع، وينفرد هذا المسجد ببناء المنائر في أجنحة مستقلة عن المسجد وفي وسط صحن المسجد حوض جميل مثمن الشكل للوضوء
وبجمع كل الناقدين والناظرين على أن أجمل مساجد المدينة مسجد السلطان أحمد الذي شيد عام 1609/1616م وصممه المهند محمد أغا أشهر مهندسي عصره، ولهذا المسجد سور مرتفع يحيط به من ثلاث جهات وفي السور خمسة أبواب ثلاثة منها توصل إلى صحن المسجد اثنان يفضيان إلى إيوان القبلة وهو مستطيل الشكل وتلفت القباب المزخرفة النظر بكثرتها وتناسقها.. وأعظم مزية لهذا المسجد هي مناراته الست السامقة التي تخطف الأبصار وتذهل المتأملين.
ومن آثار استانبول وبقايا مجدها مقر طوب قباي، وهو القصر الرسمي للعثمانينن وهو من أوسع القصور وأعظمها.
ومن المهم أن نتحدث ولو باختصار شديد عن النهضة العلمية الفريدة التي شهدتها استانبول عاصمة الخلافة فقد انشئت فيها المدارس العالية إلى جانب المكاتب التي عمتها مع المدن الأخرى وكان السلطان محمد الفاتح بنفسه يختارالعلماء الذين يدرسون فيها وكان يباحثهم في اختصاصاتهم كواحد من أمهر المختصين.
وكان الطلاب المتخرجون يتسلمون شهادات تؤهلهم للتدريس تحت لقب معيد، فإذا أراد الطالب أن يكون إماما فعليه أن يتعمق في دراسة العلوم الشرعية أكثر فأكثر.. وإذا استطاع الطالب بعد خمسة عشر عاما على الأقل النجاح اكتسب المجد الكبير والشرف والامتيازات الخاصة فمن بين هؤلاء الطلبة والعلماء يختار المسؤولون أساتذة المدارس العليا والقضاة والمفتين واستامبول أفندي ـ أي قاضي الأستانة ـ وقضاة العسكر والمفتي وشيخ الإسلام.
وقد وضع السلطان الفاتح نظاماً مالياً خاصاً لكل منهم مه مالهم من تبجيل واحترام ومكانة ومنزلة لدى الخليفة وكبار رجالات الدولة.
ويطول الحديث عن استانبول ويتشعب، فقد كانت فتح الفتوح وعروس مدائن الإسلام.