دهلي
دخل ابن بطوطة ـ رحمه الله ـ بلاد الهند في عهد السلطان محمد تفلق شاه الذي كان صاحب اطوار متباينة وغريبة حكم الهند ما بين سنتي 725 و 752 للهجرة فيما وصل الرحالة القاضي الاندلسي إلى "دهلي" بعد رؤية معظم مدن الدنيا ووصفها بقول"وهي المدينة العظيمة الشأن الفخمة، الجامعة بين الحسن والحصانة وعليها السور الذي لا يعلم له "في بلاد الدنيا نظير، وهي أعظم مدن الهند بل مدن الإسلام كلها بالشرق".
هكذا وصفت "دهلي" المدينة التي استسلمت لشهاب الدين الغوري ثم لمملوكه قطب الدين ايبك بعد أن قدمت الهدايا وفروض الطاعة. ومنذ ذلك الوقت أي عام 589هـ أصبحت عاصمة للهند المسلمة سياسيا وفكريا إلى أن زال سلطان المسلمين بسبب الاستعمار الانجليزي عام 1274هـ
و"دهلي" هو الاسم القديم الأصلي لما يعرفه الناس تحريفا بـ "دلهي" أو نيو دلهي وقد بنيت عام 307هـ في عهد الملك الراجبوتي "وأدبته" وسميت بذلك لأن أرضها كانت لينة غير متماسكة لأن "دهول" في اللغة الهندية معناه التراب غير المتماسك.
وتاريخ هذه المدينة تاريخ حافل بكل شيء، بالملوك العظام الذين تقبلوا على عرشها وبالآثار العظيمة التي لا مثيل لها وبالنوابغ الأفذاذ الذين انجبتهم وبالحوادث المهمة المتلاحقة التي جعلت عين الزمن مفتوحة عليها طيلة قرون وقرون.
وأول ما نلفت النظر إليه في "دهلي" ذلك المسجد الكبير الذي شيده قطب الدين الذي افتتح المدينة وسمى المسجد الذي اسسه مسجد قوة الإسلام وهو من أعظم المساجد في العالم، سعة ورحابة ومتانة، وقد اكتمل بناء المسجد عام 1230م، واشتهر المسجد بمنارته المكونة من سبع طبقات الموجود منها الآن خمس فقط بنى السلطان التمشي الدورين الثاني والثالث فيها ثم زاد فيها فيروز تفلق شاه الدورين الرابع والخامس، وقد امر حاكمالهند بازالة الدور السادس والسابع خوفا من سقوطهما، وفي كل طابق من المنارة تجد نقوشا من آيات القرآن الكريم في غاية الجودة والابداع والمنارة من الحجر الاحمر يختلط في الجهة العليا مع المرمر.
وفي عام 1060 للهجرة انشأ شاه جيهان المسجد او "جامع مسجد" كما يسمونه في الهند وهو يعتبر أفخم مسجد بناه سلطان في الهند كلها ولا يزال الي اليوم يأسر الألباب ويبهر الانظار خاصة بالمرمر الذي يكسو أرضه وجدرانه ومنبره، وعند البدء في تأسيس المسجد أعلن الملك في الناس ان يتقدم لوضع حجر الاساس من لم تفته تكبيرة الاحرام مع الجماعة ولم تفته صلاة التهجد فامسك الجميع من العلماء والعوام ولكن الملك الصالح شاه جيهان تقدم بنفسه وقال: الحمد لله فإنه لم يفتني من ذلك شيء وطول العمر، ولكني آسف لاذاعة سري المكتوم.. وقد بارك الله في هذا المسجد فكان مثابة للمسلمين في الهند في كل الملمات وقد احتله الانجليز ومنعوا الصلاة فيه حتى عام 1279هـ
اما قلعة "دهلي" وتسمى القلعة الحمراء فهي البناء الذي بناه شاه جيهان لسكناه وجعل سوره من الحجارة الحمراء وجعل فيه اماكن متعددة لسكن الملك ونسائه وحاشيته وجنوده ومجلسه الخاص والعام وبنى فيه ايضا مسجدا يعتبر تحفة في عالم البناء سماه "مسجد اللؤلؤة".
ومن الواجب ان نذكر هنا في معرض الحديث عن معالم "دهلي" " تاج محل" ذلك البناء الذي لم يجد شاه جيهان افضل تعبير عن حبه لزوجته "ارجمند بانوا" من ان يخلدها، كما يعبر عن ذلك الاستاذ علي الطنطاوي، بقصيد من الرخام كلماتها من المرمر طوع له الحجر اليابس حتى لان في يده فكان قصيدة ناطقة تنافس بجمالها خوالد العقائد في آداب الأمم ويسعى الناس من اقصى المعمورة للتمتع بالنظر إليها، حتى أصبحت "تاج محل" إحدى عجائب الدنيا جمالا واتقانا ورونقا، ورغم مر العصور وقسوة العوامل الجوية، انها ملحمة فنية خالدة.
وعلى الرغم من ان "فيروز شاه الطفلقي" كان احد ملوك "دهلي" الذين شغلهم امرها عن نفسه فانه ألف كتابا في الرياسة والسياسة رتبه على ثمانية أبواب ثم أمر ان ينقش ذلك الكتاب على حجارة نصبها في المنارة المثمنة من الجامع الكبير بفيروز اباد دهلي، كما اخترع السلطان ساعة عجيبة يخرج كل ساعة منها صوت عجيب يترنم ببيت من الشعر يذكر الملك انه كلما دقت ساعة فيلعلم انه قد نقص من عمره ساعة وكانت تستخرج منها أوقات الليل والنهار ووقت افطار الصائم وكيفية الاظلال وزيادة اليوم ونقصانه باعتبار الفصول.
ولم تكن "دهلي" مركزا عمرانيا فقط، بل كانت مركزا علميا لا تفتر الحركة فيه ولا تقف، وتباعا للحركةالعلمية ولاستتباب الامن وانتشاره فقد التجأ الى "دهلي" عدد كبير من المسلمين ومن عرب وغيرهم فكان غياث الدين بلبن الحاكم المسلم في "دهلي" يسحن استقبالهم ويكرمهم وينزلهم في اماكن خاصة يبنيها لهم.
وإلى جانب الحركة العلمية والأمن المستتب بدهلي ايام حكم المسلمين فقد عاش في تلك المدينة العظيمة من عباد المسلمين وصلحائهم اناس كثر تطيب بهم الحياة وتطن بهم الأرض.
ومع ضخامة المدينة وكثرة من فيها من البشر وبما يناسب موقعها من الولة كعاصمة اشتهرت "دهلي" ايام الحكم الاسلامي بكثرة حدائقها الغناء حتى ان ملكا واحدا مثل فيروز شاه اسس فيها الفا ومائتي حديقة كما اشتهرت بكثرة الصدقات وانفاق الاموال على عموم الشعب، يقول الامبراطور جيهانكير في مذكراته: كان ملوك الهند يوزنون بالذهب في الاعياد ويوزعون ما يساويها من المال على الفقراء والمساكين واول ما وزنت كان وزني ثلاثة من وعشرة سير، ثم زاد وزني، وكنت اوزن في السنة مرتين في اول السنة الشمسية ومرة في اول السنة القمرية، وانفق ما يساوي وزني على الفقراء والمساكين، كذلك اشتهرت بصناعاتها خاصة صناعة النسيج وبزراعاتها وبدقة عمالها وبكثرة اموالها وثقافة شعبها، ولئن كنا ذكرنا بعض المعالم المشرقة في دهلي المسلمة فان ذلك لا يعفينا من ذكر اعظم المصائب التي ابتليت بها المدينة حيث حكم عليها بالاعدام ثلاث مرات، اولاها وهو حكم غريب طريف، فقد كان الشاه محمد طفلق من حكام "دهلي" العظام ولكنه كان من أصحاب الغرائب في العدل والجور معا. فقد كان يفرط في الظلم الى حد اللامعقول حينا، ثم يقيم ميزان العدل في تحر شديد، وقد ضج الناس من تقلباته ومن بعض الاصلاحات التي لم يألفوها فأكثروا من كتابة بطاقات شتمه ولما حار فيها حكم على دهلي بالاعدام وامر أهلها بالهجرة منها وتركها فأبوا فهددهم حتى اخرجهم قسرا ومن العجب انه دفع لهم قيمة دورهم حتى اذا لم يبق فيها احد سوى الملك وحاشيته وغدت مسكنا للبوم والغربان نظر إليها من فوق سطح قصره وليس فيها نار ولا دخان تنفس ثم قال: الآن طابت نفسي وهدأ خاطري.. وثاني مصائب "دهلي" العظام كانت بعد دخول تيمور لنك لها وقد امن أهلها حينما استسلموا له طائعين إلا انه لم يلبث ان ارخى لجنده العنان واباحها لهم فعانت خلال خمسة عشر يوما من غارات النهب والسلب وحملات القتل الجماعي والتدمير الشامل اقسى ايام عرتفها ثم راح وتركها..
وثالثها: بعد فشل ثورة 1274هـ حيث عاد الانجليز إلى "دهلي" بعد سيطرة المسلمين عليها فترة قصيرة فلما دخلوا نفثوا فيها حقدهم الاسود الدفين وانهالوا ـ كما يقول الدكتور عبد المنعم النمر ـ على "دهلي" يدمرون ويقتلون وينهبون حتى بلغ عدد قتلاهم سبعة وعشرين الفا حتى هدموا اكثر احياء "دهلي" وتحولت الى انقاض.. اما الملك المغولي المسلم بهادر شاه فقد قتلوا ثلاثة من اولاده دون محاكمة بل ان الضابط الانجليزي "هيدسن" الذي قتلهم بسلاحه اخذ في كفه حفنة من دمهم ثم شربها وقال: لو لم افعل هكذا لظلت نفسي في ثورتها. وابلغ من هذا في الخسة والدناءة انهم بع ان اودعوا الملك السجن قبل نفيه. وهو الشيخ الفاني، قدموا له طعاما في اناء مغطى وجعلوه على المائدة امامه فلما كشف الغطاء عن المائدة لم يجد طعاما بل وجد رؤوس ابنائه الثلاثة، وقد وجوههم بالدم الأحمر القاني.. فتمالك نفسه ودبت فيه الانفة والعزة وقال كلمته الشهيرة: ان اولاد التيموريين البواسل يأتون هكذا إلى ابائهم محمرة وجوههم.
وبنفي الملك إلى بورما طويت بسبب الانجليز آخر صفحة مشرقة لدولة الإسلام في "دهلي".
الشيخ/ عبد الله نجيب سالم