بغـداد
نحن الآن على أبواب مدينة صنعها التاريخ الإسلامي كله، واهتم بها المسلمون قديما وفي كل العصور والدهور حتى أصبحت طيلة عقود وعقود شاهد الحضارة ومركز الدنيا، وصورة مصغرة عن كل مافي بلدان المسلمين وأممهم وفرقهم وعلومهم وزراعاتهم وصناعاتهم، ويكفيها فخراً أن الخطيب البغدادي في تاريخه العظيم استفتح الكتابة وابتدأ التاريخ بما يرويه عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي: يايونس دخلت بغداد؟ قال: قلت: لا. قال: مارأيت الدنيا.
نعم لقد كانت في أيام الخلافة العباسية ومنذ أن بنيت لأول مرة ـ مكان بنائها سوقُُ قديم للفرس على طرف دجلة ـ عاصمة الخلافة وأعظم مدينة في العالم الإسلامي على الاطلاق سعة وعلماً وقوة وشهرة وأدباً ولهوا ودينا ودنيا، فيها مالم يكن في غيرها ولها ماليس لغيرها.. حتى لكأن الدنيا بأجمعها حيزت فيها بحذافيرها.
قال الخطيب البغداي يعدد بعض فضائلها: من الأخلاق الكريمة والسجايا المرضية والمياه الغذبة الندية والفواكه الكثيرة الدّمثة والأحوال الجميلة والحَذْق في كل صنعة والجمع لكل حاجة والأمن من ظهور البدع والاغتباط بكثرة العلماء والمتعلمين والفقهاء والمتفقهين ورؤساء المتكلمين وسادة الحساب والنحوية ومجيدي الشعراء ورواة الأخبار والأنساب وفنون الأدب وحضور كل طرفة واجتماع ثمار الأزمنة في زمن واحد، ثم عيون التجار المجهزين والسلاطين المعظمين وأهل البيوتات المبجلين.
وإذا أردنا أن نستعرض طرفاً من خبر بدء بنائها واختيار مكانها فقد قيل إن بناءها الأول بعد اختيار أبي جعفر المنصور لموقعها كمقر له ومركز، استغرق من عام 144هـ إلى عام 148 أو نحو ذلك ثم انتقل إليها من الهاشمية ونقل معه الخزائن وبيوت الأموال والدواوين بعد أن أنفق مبالغ طائلة من المال بلغت قرابة خمسة آلاف ألف درهم وذلك في زمن رخص وخير ورخاء لايجاوز فيه ثمن كبش أو ثمن ستين رطلاً من التمر أو ثمن ثمانية أرطال من السمن درهماً واحداً .
وكان المنصور قد (مثّل) أي رسم للمهندسين وأهل المعرفة بالبناء والعلم بالذرع والمساحة وقسمة الأرضين صفتها التي في نفسه ثم أحضر الفعلة والصناع من النجارين والحفارين والحدادين وغيرهم فأجرى عليهم الأرزاق وكتب إلى كل بلد في حمل من فيه ممن يفهم شيئاً من أمر البناء فلما تكاملوا ، وكانوا ألوفاً ـ ابتدأ البناء وجعل خط المدينة ميلاً في ميل وجعل لبنها ذراعاً في ذراع وأحاطها بخندق وسورين بينهما فسحة كبيرة والسور الداخلي أعرض سمكاً وأعلى ارتفاعاً وعليه شُرّافات سميكة كالأبراج وجعل لها أبواباً أربعة ضخمة وسمى كل باب باسم الاقليم الذي يواجهه فهذا باب الشام وذلك باب الكوفة والثالث باب البصرة والرابع باب خراسان، وجعل فوق كل باب قبة عظيمة تحتها مجلس له إذا أراد الاطلاع على شؤون اقليم من الأقاليم جلس تحت قبة بابه فترد إليه الأخبار والأمور سريعاً، وكّل بكل باب قائداً من الجيس معه ألف رجل لحراسته وكان سور بغداد مدوراً، ثم شيد المنصور في وسط رحبة بغداد قصراً كبيراً مربع الشكل ذرع كل ضلع فيه مايقارب /250/ متراً وبنى في طرف القصر إيواناً فخما تعلوه قبة سابقة الارتفاع خضراء اللون يراها القادمون من مسافات بعيدة وسقّف القصر بالساج وزخرفه بماء الذهب ولذلك أطلق عليه اسم قصر الذهب، وجعل فيه سرداباً للنجاة إلى خارج البلدة، قال الربيع قال لي المنصور: ياربيع هل تعلم في بنائي هذا موضعاً إن أخذني فيه الحصار خرجت خارجاً منه على فرسخين قلت: لا، قال: بلى في بنائي هذا ما إن أخذني فيه الحصار خرجت خارجاً منه على فرسخين، كما أمر المنصور أن تتخذ من الساج قنوات من باب خراسان يسير فيها الماء من دجلة إلى قصره.
هكذا بدأت بغداد أو دار السلام كما سميت لدى المنصور رسمياً ولكنها لم تلبث أن توسعت وامتدت وأكلت الأرض من حولها بل وضمت نهر دجلة إلى جناحها . قال الخطيب البغدادي رحمه الله: قيل إن الدروب والسكك ببغداد أحصيت فكانت ستة آلاف درب وسكة بالجانب الغربي وأربعة آلاف درب وسكة بالجانب الشرقي.
ولن نستطيع الاستطراد في باب الاشارة إلى ضخامة البلدة وما حوته من عجائب البناء وما كان فيها من قصور وستور ورياش وأثاث لكن يكفي أن نعلم أن رسول الروم لما وفد على المقتدر بالله كانت له قصة عجيبة تصلح أن تكون فلماً يشاهد أو رواية تمثل لطلوها وغرائبها فقد طيف به بين عساكر الخليفة الخاصة به وكانة مئة وستن ألف فارس وراجل ثم أدخل في أزج تحت الأرض فسار فيه حتى مثل بين يدي المقتدر بالله وأدى رسالة صاحبه ثم رسم أن يطاف به في الدار أي قصر الخلافة وليس فيها من العسكر أحد البتة إلا أن عدد الخدام سبعةُ آلاف وعدد الحجاب سبعمائة وعدد الغلمان ـ غير الخدم ـ أربعة آلاف قد جعلوا جميعاً فوق سطوح القصر وعلاليه وكان من عجائب مارآه حديقة الحيوان الخاصة بالقصر وفيها الأسود والأفيال وغرائب المخلوقات وبركة الماء المبنية على ضخامتها من الرصاص ونهرها الفضي البراق وبراكانها المذهبة ، ثم مر به على دار الشجرة الغربية الصنعة التي كان فيها شجرة كبيرة بثمانية عشر فرعاً رئيسياً من أنفس النفائس بأغصانها وطيورها وحركاتها وأصواتها لم تر العين مثلها، ثم عرّج به على فرسان التماثيل ثم على خزائن السلاح وخدام البلاط وجميع الدور وأخيراً بعد تطواف عجيب عاد إلى مجلس المقتدر الذي لامزيد عليه في البهاء والجمال والفتنة.
وقد اشتهرت بغداد بجامعها الأعظم الذي بناه المنصور أولاً ثم جدده هارون الرشيد ثانياً حتى أصبح جامعاً مهولاً ضخماً فخماً ثم أنشأ المهدي في أول خلافته جامع الرصافة كما أمر المقتصد بالله بعمارة مسجد قصر الخلافة فلما جاء المكتفي وسعه أكثر فأكثر ولم تزل المساجد ببغداد تزداد حتى بلغت في قمة ذروتها ـ على رواة الخطيب البغدادي في تاريخه عن محمد بن يحيى النديم ـ ثلاثمائة ألف مسجد بين كبير وصغير وخاص وعام، وليس في هذا مبالغة فقد أحصيت الحمامات في بغداد عام 388 هـ فكانت بضغة عشر ألف حمام بل قد أحصيت في عهد المقتدر بالله فكانت سبعة عشر ألف حمام فيالله العجب.
وكذلك اشتهرت بغداد بأنهارها وجسورها التي عليها وكانت تكثر أو تقل حسب الحاجة أو استتباب الأمن أو اهتمام الخلفاء، هذا كله عدا السميريّات المعبرانيات بدجلة التي تنقل الناس من عدوة إلى أخرى فقد عدت في أيام الناصر لدين الله الموفق فكانت ثلاثين ألفا.
وكما عاش في بغداد مئات الألوف من الناس فوق ظهرها منهم الفقيه والمحدث والصوفي والطبيب والقارىء والشاعر والوزير والخليفة فلم يكن من الغريب أن تفتخر بمقابرها ومن حوته من رجالات الإسلام وأعلام الدنيا يكفي أن نذكر منهم أبا حنيفة إمام الدنيا في الفقه ومعروفاً الكرخي عالم الزهد والتصوف، وموسى بن جعفر الكاظم وهو من أكابر أهل البيت، وأحمد بن حنبل إما أهل السنة، وبشراً الحافي، ومنصور بن عمار، وعبد الله بن محمد، ومحمد بن اسحاق، وهشام بن عروة وغيرهم ممن هم زينة الدنيا وشهود الله على الخلق في الآخرة.
على أن المفخرة الكبرى لمدينة السلام بغداد دار الخلافة كانت في الحركة العلمية التي فاقت فيها كل مدينة وحاضرة وصقع ومصر غدا سكناها أو المرورُ بها أو قصدها هدف كل طالب علم وعالم وبغية كل فقيه ومحدث ومطلب كل أديب ولغوي وغاية كل مفسر ومقرىء وأمل كل أصولي ومؤرخ... ومما حفظه لنا التاريخ أن الحافط الكبير أبا بكر أحمد ابن علي إمام عصره المعروف بالخطيب كان كلما شرب ماء زمزم سأل به سبحانه ثلاث خلال: أولها أن يكتب تاريخ بغداد ومن سكنها ومربها وملكها وغير ذلك، وثانيها أن يهيىء الله له قراءة ذلك في مسجدها الأعظم مسجد المنصور، وثالثها أن يكرمه الله بالدفن بجوار قبر معروف الكرخي.. وقد تم له ذلك كلُه وكان كتابه الرائع المكون من اثني عشر مجلداً كبيراً سفر الخلود وملحمة المعرفة .
لقد كان في بغداد أبو حنيفة ومدرسته الواسعة والشافعي وعلمه الفياض وأحمد بن حنبل وأسانيده المتصلة والغزالي وفكره الوقاد والحارث المحاسبي وحكمته البالغة وأبو العتاهية وشعره المزهّد وكل واحد من هؤلاء يحيى أمة لو انفرد فكيف بهم مع ألوف الألوف من أمثالهم ونظرائهم في كل علم وفن وباب وطريق وقد تعلقوا بأستار بغداد وعاشوا في كنفها وانتسبوا إليها.
إننا لا نبالغ إذا قلنا أن العوام ـ لا الخواص ـ من أهل بغداد كانوا على درجة من الثقافة والمعرفة والأدب والظرف يحسدهم عليها كل الناس قال ذا النون: من أراد أن يتعلم المروءة والظرف فعليه بسقاة الماء في بغداد. قيل له: وكيف ذلك فقال: لما حملت إلى بغداد رمي بي على باب السلطان مقيداً فمر بي رجل متزر بمنديل مصرى معتم بمنديل ويبقى بيده كيزان خزف رقاق وزجاج مخروط فسألت هذا ساقي السلطان فقيل لي: لا هذا ساقي العامة فأومأت إليه: اسقني فتقدم وسقاني فشممت من الكوز رائحة مسك، فقلت لمن معي ادفع إليه ديناراً فأعطاه الدينار فأبى، وقال: ليس آخذ شيئاً فقلت له: ولم؟ فقال: أنت أسير، وليس من المروءة أن آخذ منك شيئاً، فقلت:كمل الظرف في هذا.
ولم تكن الحركة العلمية في بغداد مقصورة على رجالها الذكور بل كان للنساء فيها اشتغال بالعلم وسبق فيه اضافة إلى اشتغالهن بالعبادة والأدب وسائر العلوم حتى إن الخطيب البغدادي في تاريخه أفرد جزءاً خاصاً آخر كتابه لشهيرات بغداد ونابغاتها من النساء فذكر منهن على سبيل المثال: ستيتة بنت القاضي ابن أبي عمرو وفاطمة بنت هلال الكرجية وأخوات بشر الحافي الثلاثة، وعباسة بنت الفضل زوجة الإمام أحمد وأم عمرو الثقفية وهن محدثات أو عابدات أو عالمات.
ولم تكن مجالس بغداد لتخلو عن اللهو والمجون والغناء والشراب فقد راجت لها أسواق وأسواق ووجد من أهل تلك الهوايات في بغداد أصناف وأعراق وظهرت مظاهر السرف والبذخ والعبث بشكل جلي، إلا أن ذلك كله كان أحد الوجوه لبغداد ذات الألف وجه... بات فيها في ليلة واحدة سامر وعابث وعالم ومتعبد وأمير وغريب وموفد ملك الروم ورسول خاقان الترك تصطرع في جوفها آمالهم وأعمالهم ويفيح ليلها بصلواتهم وآهاتهم... قال أبو بكر بن حمزة كتب إلي صديق لي من حلوان أني رأيت فيما يرى النائم كأن ملكين أتيا بغداد فقال أحدهما للآخر اقلبها فقد حق القول عليها، فقال له الآخر: كيف اقلبها وقد خُتم الليلة فيها خمسة آلاف ختمة.
هكذا كانت عروس الدنيا أيام العباسيين ملوك الأرض وسادة المعمورة.
الشيخ/ عبد الله نجيب سالم