معرة النعمان
ليس بخاف على أحد أن معرة النعمان لم تكن في القديم أو الحديث عاصمة لدولة معظمة ولا مقراً لملك من الملوك ولا شاطئاً يتخذ ثغراً لاقليم إلا أنها في موقع طبيعي مهم جعلها حلقة وصل بين غربي آسية الجنوبة وشرقي أفريقية الشمالي ومجازاً قديما يعبر عليه أهل الشرق إلى الغرب براً ، كما رزقها الله عذوبة الماء ورقة الهواء وطيب المناخ إضافة إلى مافي أهلها من خلال محمودة وخصال محبوبة وما سجله التاريخ لها من حضور في كل فتح وذكرى في كل حدث.
وأعترف بادىء ذي بدء أنني لم أجد في انتساب أبي العلاء المعري الشاعر العظيم سبباً كافياً للحديث عن المعرة حتى قرأت تاريخها فرأيتها في القرن الرابع والخامس والسادس الهجري تعج بالقراء والمفسرين والمحدثين واللغويين والمؤرخين والشعراء والمؤلفين في علوم شتى ومن الأدلة الواضحة على ذلك أن أبا العلاء المعري كون ثقافته الواسعة بالدراسة والأخذ عن علماء بلده فقط وأن ثمانين شاعراً أو أكثر وقفوا على قبرة يوم وفاته لم يذكر أن واحداً منهم من غير أهل المعرة.... بل قيل أن قتلاها في عام 491هـ عندما دخلها ضجيل وهو أمير من أمراء الافرنج بلغوا مئة ألف إنسان ومثل ذلك عدد من أخذوه أسيراً، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضخامة تلك البلدة آنذاك وكثرة سكانها.
وإذا كان المشهور من أسمائها اليوم ( معرة النعمان) فإنها في الماضي من قبل كانت تسمى ( سياث) كما ذكر ذلك ياقوت الحموي في معجمه كما سماها بعضهم بذات القصورأو ذات القصرين أو معرة حمص أو معرة حلب كما كانت معدودة من العواصم وهي الأماكن التي يأوى إليها المسلمون إذا انصرفوا من غزوهم وخرجوا من الثغر فيعتصمون بها فتمنعهم، وقد أطلق تلك التسمية لأول مرة هارون الرشيد.
وقد ذكر القلقشندي في صبح الأعشى أن المعرة كانت مركزاً من مراكز البريد البري القديم بين دمشق وحلب وذكر كذلك أنها كانت مطاراً للحمام الرسائلي ( حمام الزاجل) يحط فيها ، قال: وأما إلى جهة حلب فتسرح من دمشق إلى قارا ثم من قارا إلى حمص ثم من حمص إلى حماة ثم من حماة إلى المعرة ثم من المعرة إلى حلب.
ومما ذكره أكثر من واحد من الذين كتبوا عن هذه المدينة عذوبة مائها وطيب هوائها، ومما يستدل به لذلك أن أبا العلاء المعري لما زار بغداد وأقام بها مدة، وكان ضريراً ـ أتي بماء من المعرة فشربه والتذّ به ثم تفكر فقال: سبحان الله لابد أن يكون هذا ماء المعرة، أو أن ماء المعرة أتي به إلى هنا، لذك اشتهر بين أهل البلدان قولهم : سبحان الله هذا ماء المعرة فأين هواؤها... هذا مع العلم أن تلك البلدة ليس بها نهر جار وإنما ماؤها نبع يتفجر فيها ومن حولها على هيئة عيون من الماء عذبة كالسلسبيل باردة في الصيف كالثلج تفيض أحياناً تلقاء من نفسها حتى تجري على وجه الأرض أو تستخرج بواسطة دولاب تديره الدواب فتسقى بها البساتين الكثيرة والجنات المتناثرة التي تؤتي أكلها كل حين من معظم أنواع الفواكه والثمار كالتفاح والخوخ والجوز والكمثرى والموز والمشمس ، وهي كثيرة في معرة النعمان ـ إضافة إلى ما اشتهرت به أكثر من غيرها من شجر العنب والتين والزيتون الذي توجد له معاصر قديمة جداً لا تزال آثارها باقية إلى اليوم ضمن الآثار التي تزخر بها بلداً من البلاد.

على أن تلك الجنان والكروم والبساتين لم تسلم مراراً من قبضة الشتاء الباردة جداً، فقد تعرضت الزروع للثلج والصقيع مرات عديدة كانت تؤدي بها كل مرة وتيبسها حتى تصبح أعواداً يابسة كما حدث عام 339 هـ حينما يبس شجر الزيتون المشهور بتحمله للبرد وذلك من كثرة الثلوج حتى قيل إن الفرات جمد ومشى الناس عليه وكانت القدور على النار يجمد أعلاها... ومع ذلك ففي كل مرة تعود المعرة إلى سالف عهدها من الخضرة والجنان والبساتين والكروم التي تحف بها من كل جانب.
وكان للمعرة في القديم سور حصين فيه أبراج عديدة وله أبواب سبعة كما ذكر ذلك الغزي وغيره وهو الذي قال: وكانت المعرة بلدة عظيمة تدل أطلال سورها على أن طولها ساعة في عرض مثلها، وقد تكرر بناء السور واصلاحه كما تكرر هدمه وتحريبه فقد أصلحه أهلها مثلاً عام 454هـ وكان أميرها حينذاك أبو الماضي ينفق من ماله وجاهه حتى أكمله في سنة واحدة، كما أن عبد الله بن طاهر هدمه عام 207 وفعل مثله عماد الدين زنكي عام 529هـ وقد روي أن الفرنجة حينما حاصروا معرة النعمان اتخذوا برجاً من خشب وأسندوه إلى سورها فكان أعلى منه فزحفوا إلى البلد حتى لصق البرج بالسور فكشفوه وأسندوا السلالم إلى السور فصعدوه والناس يقاتلونهم حتى قتل على السور وتحته خلق كثير ثم دخلوا المغرب بعد المغرب ليلة الأحد الرابع والعشرين من المحرم سنة 492 هـ وفعلوا فيها الأفاعيل وهدموا سور البلد وبروجه واحرقوا مساجده ودوره وكسروا المنابر وقتلوا الناس قتلاً ذريعاً.
وإضافة إلى السور فقد كان في معرة النعمان قلعة حصينة بناها الملك المظفر محمود صاحب حماه وشحنها بالسلاح والرجال إلا أن التتر حينما مروا بالمدينة خربوا قلعتها وأسوارها وتركوها قاعاً صفصفاً ينعق فيها البوم والخراب.
وإضافة إلى السور والخندق فقد حفر لؤلؤ والي المعرة عام 288 هـ خندقا حولها حينما حاصرها جهير بن محمد التنوفي وطالت الحرب بينهما ثم انصرف عنها جهير ولم يستطع فتحها.
وإذا أردنا أن نقف على بعض المعالم داخل معرة النعمان فأكثر مايلفت النظر فيها مسجدها الجامع الكبير وهو في وسطها من الشمال والجنوب وفي طرفها القديم من جهة الشرق، وقد ذكر ناصر خسرو ـ وكان رأى المعرة سنة 440 هـ تقريباً ـ أن جامع المعرة مبني على أكمة قائمة وسطها المدنية ومن أي جهة أتيته ترتقي إليه ثلاث عشرة درجة وفيه أنماط مختلفة من البناء ولذلك زعم بعض المؤرخين أنه عمري أي بني في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد جاء في كلام اللاذري أن أبا عبيدة رضي الله عنه صالح أهل المعرة على أن تكون كنيستهم العظمى جامعا، وما يستفاد من البناء أن المسلمين أضافوا إلى الكنيسة أكثر من مساحتها، وفي ذلك الجامع ثلاث قبات واحدة في الصحن قائمة على ستة أعمدة من الحجر والثانية إلى شرقها تحتها بركة ماء للوضوء وثالثة للوضوء أيضاً، وأما بئر المسجد شديد البرودة لشدة عمقها، وفي الجامع موضعان للصلاة فالقبلي وهو أعظمهما فيه المحراب والمنبر وله ستة أبواب قديمة والشمالي وهو أضغر حجما يتصل به من جهة الشرق رواق عظيم في صدره غرفتان يقيم بها الفقراء من مهاجرة الغرب والهند والعجم وغيرهم.
ومنارة الجامع هي من أجمل الآثار ليس في منارات المساجد مايشابهها في إحكام الصنع ودقة الوضع إلا منارة الجامع الكبير في حلب وهي منقسمة إلى ثمانية ابراج متساوية في كل برج أربع نوافذ وفي أعلاها صحن ذو حافة حجرية مثقبُُ على نمط متاشبه بديع وفي وسطه غرفة صغيرة كانت توضع فيها المصابيح وقد ذكرت مجلة العاديات أن تاريخ المئذنة هذه يرجع إلى عام 427هـ، وقد ذكر من طرائف أهل المعرة في مئذنتهم أن قاضي المعرة إبراهيم الصوفي اللاذقي منع الناس مما تعودوه في رمضان من الصعود إليها وقت أذان العصر مع المؤذنين للتسلي ومتابعة غروب الشمس مدعياً أنهم يشرفون على مقر نسائه في دارة القريبة من الجامع فلم يمتنع بعضهم بل صعد متحيداً أمر القاضي الذي أحضر بعض الجند للقبض على المخالفين مما دفع بعضهم إلى رمي نفسه من نوافذ المنارة حتى لايمر عليهم وهم وقوف على بابها وكانت ساعة عصيبة.
ولعله في هذا الجامع قد حدث عام 425 الإمام منصور بن علي بن منصور البردي الواعظ وقد روى عنه القاضي أبو غانم عبد الرزاق بن عبد الله التنوفي وغيره .
وفي المعرة مساجد كثيرة أشهرها مسجد يوشع بن نون ومسجد أويس القرني ومسجد أبي العلاء المعري الذي في أحد جوانبه قبره وقد كان في الأصل ساحة من دور أهله.
وإضافة إلى ذلك فهناك مدارس كانت في المعرة تنشر العلم منها المدرسة النورية ولها ساحة فسيحة في وسطها بئر ماء ومدردسة ابن الوردي المبنية في النصف الأول من المئة الثامنة وقد بني جامعها على مثال الجامع الأعظم في مدينة حلب المحروسة، وذكر ابن العماد في الشذرات أن ابن البارزي قاضي حماة شمس الدين إبراهيم بن المسلم ولي تدريس معرة النعمان.
كما اشتهرت معرة النعمان بكثرة سيلان الماء في داخلها في الأسواق وفي الطرق المحيطة بها، والسبيل عبارة عن حفرة كبيرة تبنى حلوها أربعة جدران وترتفع فوق الأرض كأنها غرفة مسقوفة ويجعل لها باب ينزل إلى وسطها منه يجتمع فيها ماء المطر أو الماء المساق من العين ليسهل الوضوء والطهارة واستراحة ابن السبيل.
وأما أسواق المعرة وحماماتها وحاناتها فقد كانت محل حديث كل من كتب عنها فأطنب وتوسع.
ولا يفوتنا أن ننوه إلى ما تميز به أهل معرة النعمان من حمية وغيرة على نسائهم فقد ثاروا ذات مرة على أحد الولاة الذي أحدث في داره نقبً يطل منه على الحمام التحتاني وجعل ينظر إلى النساء فيه ويحاول التحرش بهن فأدى ذلك على مقتله بعد خبطة عظيمة وملاحقة شديدة.
كما تميز أهل المعرة بتكنية أولادهم الصغار بمثل أبوالعلاء وابي المجد وأبي الندى وابي الحسين، وذكر ذلك مع كثير من أخبار المعرة الاستاذ محمد سليم الجندي في كتابه تاريخ معرة النعمان ـ وقال إنهم أيضاً يلقبون أبناءهم بمثل نجم الدين وتاج الدين وشمس الدين كما أنهم يسمون أولادهم محمداً أو أحمد ثم يلصقون لقباً ليفرقوا بينه وبين الآخرين فيقال محمد سليم وأحمد أمين وهكذا.
ومن طرائف هذه المدينة التي يكثر فيها العنب أن لأهلها طريقة في حفظ العنب طازجاً من الصيف إلى الشتاء وهي أن يؤخذ الغصن الذي في العنب ثم تحفر حفرة عميقة ويدلى فيها العنقود والغصن بحيث لاتمسه الأرض من جميع جهاته ثم تغطى الحفرة ويبقى العنقود متدلياً في هوائها متصلاً بالشجرة التي أخذ منها فيمتص منها مايعيش به إلى أن يعيد فإذا أرادوا أكله كشفوا عنه الغطاء وأخرجوه غضاً طرياً.
وفي تاريخ ابن الوردي أن امرأة صاحت في يوم الجمعة في الجامع سنة 417هـ وزعمت أن صاحب الماخور ـ وكان نصرانياً ـ أراد أن يغصبها نفسها فنفر الناس وهدموا الماخور ونهبوه وحرقوه فنقم عليهم بعض الولاة واسمه صالح بن مرداس ممن له صلة بذلك النصراني فشدد الخناق واعتقل سبعين نفساً فحبسهم سبعين يوماً وأغرمهم حتى جاءه أبوالعلاء المعري فتشفع بهم فقال: لاتثريب عليكم اليوم، قد وهبت لك المعرة وأهلها، فرجع أبوالعلاء وهو يردد:
نجى المعرة من براثن صالح ربُُّ يعافي كل داء معضِلِ
ماكان لي فيها جناحُ بعوضـة الله ألبسهم جناح تفضــلِ
الشيخ/ عبد الله نجيب سالم