بلــخ
في أقصى الشرق من أفغانستان وجنوبي نهر جيحون تقع بلخ مجاورة لمدينة مزار شيف وقريبةً من مدينة ترمذ..
وإذا غصنا في أعماق التاريخ نبحث عمن أسس تلك المدينة الجميلة الهادئة فسنجد أجوبة شتى عن ذلك فمن قائل إن الاسكندر ذا القرنين هو أول من بناها ومن قائل إنه لهراسف الملك أو هو بلخ بن بلاخ من سلالة سيدنا نوح عليه السلام أو غير ذلك من أقوال يمكن الجمع بينها بأن نفترض أن كلاً منها أعاد بناءها بعد خرابها المرة تلو المرة حتى قيل أنهاخربت اثنتين وعشرين مرة ثم عادت إلى الوجود بعد ذلك كله... فالمدينة هذه من أمهات مدن التمدين القديم وفي منطقتها ولد زرادشت وبها بدأ بالدعوة إلى كتابه، وبالتعاون بين ملك بلخ واحد تلاميذ زرادشت تم انتشار الدين الزرادشتي والأرجح أن بلخ بقيت زرادشية الديانة إلى أيام الفتح الإسلامي بل كانت مركز تلك الديانة الداثرة بحكم وجود(النوبهار) فيها، وهو المعبد الشهير الذي بناه البرامكة وكان القيم الكبير على شئونه يسمي (برمك) وقيل في وصفه إنه كان يضم/360/غرفة خاصة بالذين يتولون خدمته من كهنة وفي كل يوم في السنة يخدمه أحدهم فلا يعود إلى الحول.

ولا أدل على المكانة العظيمة التي وصلت إليها المدينة قبل الفتح الإسلامي من كثرة الأسماء الرفيعة التي اطلقت عليها فقد سيمت بلخ بقاعدة خراسان وأم البلاد بل والمعشوقة والبهية والمتلألئة لكثرة مافيها من عمران ومنتزهات.
ولقد تعددت روايات فتح بلخ من قبل المسلمين فمن قائل إنها فتحت على يد بعض الصحابة وهو الأحنف بن قيس أو عبد الله بن عامر عام 32 هـ أو أن التابعي سعيد بن عثمان بن عفان فتحها عام 56 أو أن فاتحها غير هؤلاء وأولئك... ولكن المؤكد هو أنها بعد فتحها صلحاً أول الأمر انتقضت فأعيد فتحها ثانية بل لعلها لم تدخل الإسلام إلا بعد أكثر من ردة....
يقول الدكتور محمد محروس الدرس في كتابه مشايخ بلخ: على أن هناك من يقول إن جيوش قتيبة بن مسلم قد وصلت إلى أطراف بلخ زمن الحجاج سنة 87هـ وأن قتيبة عرض الإسلام على دحقان بلخ فرفض أن يسلم إلا أن يسلم والي بلخ المعروف باسم ( ينزل ترخان) ثم تصالح مع الدهقان فبني المسلمون مسجداً جامعاً في أطرافها واقترب المسلمون من المدينة إلى الموضع الذي فيه (النوبهار) فحاصروا ( ينزل) وأسروه وأتوا به إلى قتيبة فأسلم. ولما حان الشتاء توجه قتيبة إلى بخارى فارتد (ينزك) فعاد إليه قتيبة وقبض عليه فأسلم ثانية ثم ارتد اخرى فلجأ إلى بعض الأطراف فقبض عليه وقتل.
هكذا إذن دخلت في دين الله تلك المدينة التي وصفها مختصر البلدان والمسالك والممالك بقوله: طيبة الهواء عذبة الماء صحيحة التربة عذبة الثمرة وأهلها في إحكام الصنعة وتمام الخلقة وطول القامة وحسن الوجه وفراهية المركب من البراذين والإبل والحمير وجودة السلاح والدروع والثياب وكأنها قطعة من بلاد الصين في إحكام الصناعات ـ وهم أهل تجارة وحكم وعلم وفق، وجيرانهم الترك، وقال الشاعر:
الدار داران إيوان وغمدان والملك ملكان ساسان وقحطان
والناس فارس والاقليم بابل والا سلام مكة والدنيا خراسان
وتقع بلخ من خراسان موقعاً تجارياً مهماً إذ كانت تمر بها الطرق المؤدية إلى أقاليم المشرق وبلدانه سواء الواقعة في اقليم خراسان أم وراء النهر أم بلاد الصين والتبت والترك حتى قيل إن بلخ مجتمع الخلائق ومنتجع القوافل وكانت تجارتها رائجة ويغرمها التجار من الهند لشراء العقاقير والكافور والسكر والجواري والعبيد وقد امتدحت على لسان الأدباء والشعراء لموقعها وطيب هوائها وكثرة فيها المال وفاض بين أيدي الناس حتى قال أحد الفقهاء: إن صاحب عشرة آلاف ـ أي درهم ـ لايعد من المكثرين ببلخ، أي حاله حال متوسط الناس لا أغنيائهم.
ولقد نالت بلخ اهتماماً كبيراً عندما تولى اقليم خراسان أسد بن عبدالله القسري بعد قتيبة بن مسلم فأعاد بناء الجامع القديم في ضواحيها واستفاد من أبواب النوبهار الحديدية في بناء الجامع الجديد ثم ولى الأمويون البرامكة على بلخ لمكانتهم السابقة فيها فلما تعاون هؤلاء (البرامكة) مع العباسيين ونالوا أرفع المناصب ازدهرت بلخ في عهد العباسيين حيث قدم البرامكة خدمات جلى لها منها أن الفضل بن يحيى البرمكي شق إلهيا نهراً بإشارةٍ من فضلاء بلخ تكفيراً عن العار الذي توصم به عائلته ببنائها النوبهار قبل الإسلام.
ونستطيع في سرد سريع وعاجل لبعض الاحصائيات عن مرافق المدينة إبان ازدهارها أن نأخذ صورة عن المدى الذي بلغته بلخ ( قبة الإسلام) كما سميت بعد الفتح من الرقي والتمدن فلقد كثر سكانها وازدحمت بهم حتى ضاقت فارتفعت أسعار الأرض إلى أن بيع الذراع بألف درهم، وبلغت مساجدها العامرة 1848 مسجداً ومدارسها (400) مدرسة وعلماؤها (1200) عالمً مصلح للافتاء، وفيها (900) كتّاب لتعليم الصبيان ومن أهلها (520) أديباً ماهراً وفي جنباتها (500) حمام معمور و(400) قبة لحفظ الثلج في الشتاء للصيف و(300) حوض لشرب ماء السبيل و (1220) قبو وسرداب وأصبحت بذلك قبلة للناس من كل حدب وصوب وفي ذلك يقول الشاعر:
اقمنا ماأقمنا في سرور وريف إنهم قوم كرام
أذا رمت المقام بأرض قوم ففي بلخ يطيب لك المقام
ولاعجب في هذا فأهل تلك البلدة لهم الأخلاق الجميلة والشجاعة وشدة الخلق والعقل وجودة الرأي ونبل الهمة وحسن المعاشرة والحرص على قضاء الحقوق والتباذل عند الحاجة.
ولبلخ نهر اسمه ( دهاس) يتفرع من النهر العظيم جيحون كما تشرب بلخ من نهر بلخ أحد فروع نهر بلخاب أما ضواحيها مثل ( أوبى) و(باسبيان) و (بروقان) و(جباخان) ففيها قرابة ثمانية عشر نهرا ولهذا يسمون محافظة بلخ الآن باسم ( هجدا نهر) أي ذات الثمانية عشر نهراً وهذا بدوره جعل المدينة تقع وسط أكبر واحات العالم وتنتج مزارعها أنواع الفواكه والأثمار والمزروعات التي تفيض بالخير.
وفي بلخ تنتج جلود القراقول الشهيرة وفيها الجمال البختية ذات السنامين كما تشتهر بتربية الخيول الجيدة والمتاجرة بها.
وفيها أيضاً صناعة السجاد الفاخر الذي أهدي منه إلى مرقد الإمام أبي حنيفة رحمه الله في الأعظمية وكان من صنع العمال البلخيين المهرة والذين لم يأخذوا أجرهم محبة وتعظيماً لإمام الدنيا أبي حنيفة النعمان بن ثابت، وقد بلغ من تقدم بلخ صناعياً منذ القديم أن صنع الورق أول مااخترع في اقليم ( باختر) القديم وعن طريق يحيى البرمكي وزير أبي جعفر المنصور نقلت صناعة الورق إلى العرب كما أنها تنتج الصابون والسمسم والأرز والجوز واللوز والزبيب والسمن وعسل الشمس من العنب والتين ولب الرمان وتنتج الرصاص والكبريت والزرنيخ والابراد والأدهان والجلود ويحمل من غلاّتها في كل سنة مال عظيم إلى خزانة السلطان.

وتبقى بعد ذلك كله أعظم ماتشتهر به بلخ ( المدينة الإسلامية العريقة) من علم ورجال طبقت شهرتهم الآفاق فقد قيل إن في كل قرية من قراها مسجداً جامعاً مع مفت وقاض عادل ومدرس وسوق، وكان لأبي جعفر الهنداوي من مشاهير فقهائها أربعون تلميذا كل منهم قدوة وبلغوا مرتبة الاجتهاد واستحق كل منهم تولي القضاء... بل قال يحيى بن أكثم القاضي: ماوجدت مدينة فيها فضلاء وعلماء كبلخ. ولم تكن شهرتها في الفقه وعلماءً فقط بل في كل صنف من العلوم، قال أحد البلخيين كنا نفخر بسبعة عشر شخصاً من أهل بلخ لأنهم من الكبراء في زمانهم: أربعة منهم في التفسير والقراءات: عطاء بن ميسرة الخراساني، والضحاك بن مزاحم ومقاتل بن حيان ومقاتل بن سليمان، وأربعة من القضاة المتوكل بن حمران وعمر بن ميمون الرماح وعبد الله الرماح وأبومطيع البلخي، وأربعة من الزهاد: أبو يوسف كثير بن زياد وابراهيم بن الأدهم ووسمي بن جميل ويعقوب القاري، ومن أهل اللغة والنحو الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة المجاشعي ومن المعبرين: مخضع المعبر وهيم المعبر، ويزيد بن نعيم المعبر ومن الأطباء يوحنا بن سويه، وقد كان في مدينة بلخ إحدى المدارس النظامية التي أسسها نظام الملك في امهات البلاد الإسلامية وقد قامت هذه المدرسة اضافة إلى مافي بلخ من مدارس كثيرة لطلب العلم بخدمة طلاب العلم خير قيام فكان بعض مشايخ بلخ ينفق من ماله الخاص على الطلبة أموالاً طائلة يحتسبها عند الله، وبالمقابل فقد ضرب طلاب التعلم من أبناء بلخ أروع الأمثلة في الحرص على طلب العلم وعدم التفريط فيه فمن ذلك أن عصام بن يوسف البلخي انكسر قلمه في مجلس املاء الحديث فخشي أن يفوته بعض الاملاء فصاح من فوره: قلم بدينار فتطايرت إليه الأقلام واستسهل دفع مبلغ كبير كي لاينقطع عن الكتابة، بل أغرب من ذلك خلف بن أيوب البلخي أوصى ولده الذي كان يطلب العلم على شيخه أبي مطيع أن يذهب إلى مسجد استاذه ولو ساعة ويعود وإن كان شيخه غائباً لئلا تزول عنه عادة الاختلاف والتردد على مجالس العلم والحرص عليها.
إن بلخ لا تزال إلى اليوم تحتفظ ببعض آثارها الباقية: كبقايا معبد النوبهار، وقبر أبي مطيع البلخي، وقبر أبو الليث السمرقندي وجامع (حاجي بياده) أي الحاج الراحل وهو من أقدم مساجدها القائمة.
الشيخ/ عبد الله نجيب سالم